كوكب دري
08-21-2009, 07:54 AM
السلام عليكم
بارك الله بكم
بسم الله الرحمن الرحيم
الشرك
من أمراض القلب الإنساني التي تحرفه عن الصراط المستقيم, مرض الشرك, أي أن يجعل الإنسان لله أنداداً, وذلك ذنب لا يغتفر وخطورة هذا الذنب وأنواعه مذكورة في كتاب الكبائر.
الشيء الذي يجب التذكير به هنا شدة وطأة هذا المرض على النفس الإنسانية الذي هو منشأ كل شقاء, وفي القرآن المجيد آيات عدة توضح أهمية هذا المرض وخطورته.
يقول تعالى في سورة الحج:
" ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ". الحج 31.
من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك:
أي أن الشخص المشرك يلقي بنفسه من مقام الإنسانية الشامخ وسماء التوحيد العظيمة التي هي حصن الله المنيع, ويخطفه الشيطان ليلقي به في أبعد دركات البعد عن رحمة الله ويقضي عليه, ويجعله أسير الأهواء والهوسوالأماني الكاذبة.
وباختصار: الشخص الذي يسقط من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك فإن أهواء النفس تحطمه وتسحقه أو أن وساوس الشيطان تلقيه في وادي الضلال وتودي به إلى الهلاك.
التوحيد, وعبادة الله, مرتبة الإنسانية:
توضيح ذلك أن الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات ترتبط مكانته الشامخة وشأنه وشرفه بالله سبحانه, أن يعتبر نفسه عبداً لله أن يعرفه, ويعتبر كل شيء عنده منه, ويكون خضوعه وتواضعه في محراب عظمته فقط, أو أن يرى جميع المخلوقات من حيث العبودية على حد سواء معه, وأن الله هو المنعم وهو مولى جميع الكائنات, وأن لا يعتبر أي مخلوق قادراً على التأثير وفعل شيء إلا أن يشاء الله.
طبعاً ليس معنى هذا أن لا يبحث عن الأسباب, بل المراد أن يعتبر أن سببية الأسباب وتحقق الآثار والخواص, كله من الله.
مثلاً عند المرض لا بد من مراجعة الطبيب, ولا بد من استعمال الدواء عند اللزوم لكن يَعتبر أن الشفاء من الله, حيث أن الله سبحانه إذا لم يهب ذلك الدواء أثر الشفاء فمحال أن يكون له أثر, كما أنه إذا لم يرد سبحانه فإن الطبيب لن يستطيع أبداً تحديد المرض.
إذن عليه أن يعتبر نفسه وجميع المخلوقات مرتبطين بالله سبحانه ومحتاجين إليه في شؤون الحياة, ويكون على يقين من أن الرازق والآخذ, المعطي والمانع والحافظ والمنجي, له وللآخرين هو الله ويقول بيقين:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, فله الملك وله الحمد.
هذا هو مقام الإنسانية الشامخ إنه عبادة الواحد الأحد.
وإذن إذا جعل إنسان نفسه أسيراً وذليلاً لمخلوق ( جماد – نبات – حيوان – إنسان – ملاك ) وخضع له وخشع وأطاع أمره واعتبر نفسه محتاجاً إليه, يتضح كيف أن هكذا إنساناً أسقط نفسه من مقام الإنسانية الشامخ الذي هو أعلى مراتب الوجود وربط نفسه بمرتبة مثله أو دونه وأصبح ذليلاً لها, في حين أن تلك المرتبة هي مثله وجود فقير عاجز وذليل ومحتاج إلى الله, ولا يملك أي استقلال.
العجز عن خلق بعوضة :
ويقول تعالى في آية أخرى: " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له, وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ". الحج 73.
أي: أنهم في مقام الإيجاد عاجزون عن خلق ذباب, وفي مقام التدبير عاجزون عن استرجاع ما يأخذه الذباب منهم, فهل يصح أن يكون البشر خاضعاً لهؤلاء وذليلاً أمامهم.
يقول الإمام الصادق عليه السلام : " كانت قريش تدهن الأصنام التي كانت في أطراف الكعبة بالمسك والعنبر معاً إلى أن سلط الله ذباباً أزرق له أربعة أجنحة على الأصنام فكانت تأكل ذلك المسك والعنبر ".
أقسام المعبودات الباطلة:
كثيرة هي الأشياء التي تحجب الإنسان عن رب العالمين وتشغله بنفسه وبإغواء الشياطين, فيجعل تلك الأشياء شريكاً في العبادة لله خالق العالم, وهي بشكل عام إما من سنخ الجماد أو النبات أو الحيوان أو البشر أو الجن والملائكة, وشرح كل من هذه الأمور يطول به المقام لذا يكتفى بالإشارة إلى كل منها.
أما المعبودات الباطلة التي هي من سنخ الجماد كالأصنام التي تصنع من الخشب أو الحجر أو جسم آخر مزين بالذهب والفضة, وسائر الجواهر, وتصنع على أشكال مختلفة, كالهياكل التي على شكل نجوم السماء وتنصب في المعابد ويعظمها الجهلة من الناس ويحترمونها رغم أنها من صنع البشر وهي بعدُ عديمة الحس والشعور ويتكل عليها ويطلب حاجته منها.
وقال النبي إبراهيم عليه السلام لعبادة الأصنام من قومه: " أتعبدون ما تنحتون, والله خلقكم وما تعملون ". الصافات 95 – 96.
أي كيف يصح بحكم العقل أن يعبد الإنسان ما صنعه هو, ثم أن كل شيء من هذه التماثيل مخلوق لله سبحانه.
والآيات القرآنية في تقريع عباد الأصنام وتأنيبهم, كثيرة.
الخضوع لجماد, غاية الإنحطاط:
ولأن من البديهي أن الإنسان أشرف من النبات والنبات أشرف من الجماد, فإن خضوع الإنسان للجماد الذي لا يمتلك إحساساً ولا شعوراً بحيث يجعل نفسه محتاجاً إليه, مخالف لحكم العقل, حيث أن الإنسان حينئذٍ نزّل نفسه عدة مراتب وجعلها دون مستوى الجماد.
الأعذار الواهية في عبادة الأصنام:
يعتمد البعض مغالطات شيطانية من أجل إظهار هذا المسلك الفاسد بمظهر جميل فيقولون أحياناً: نحن نعلم أن هذه الأصنام ليست الخالق ولا الرازق ولكن حيث أنه لا طريق للبشر إلى خالق العالم فلا مناص من صنع صورته أو صورة ملك مقرب منه من هذه الأجسام لنعبدها حتى تقربنا من الله لأن تعظيم صورة الشخص تعظيم له وقد نقل القرآن الكريم هذا العذر الواهي عن عباد الأصنام:
" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ". الزمر 3.
الله قريب: وليس جسماً:
عدم صحة هذا الإدعاء واضح لكل أحد: لأن الله سبحانه أقرب إلى مخلوقه من كل أحد وكل شيء بحكم العقل والفطرة وأخبار الأنبياء.
وثانياً: إن الله سبحانه ليس جسماً حتى تكون له صورة بل هو خالق الجسم, وعليه فإن هذه الصور التي تصنع على أنها صورة الملك أو الله أو روحانية النجوم, كلها من صنع وهم الخيال البشري التي صنعها بإغواء الشياطين وانشغل بها, فغفل عن الله, دون أن يمتلك لعمله هذا أي سند عقلي وأية حجة إلهية كما تم إيضاح ذلك في القرآن الكريم مراراً.
عبادة العناصر الأربعة:
من المعبودات الباطلة أيضاً التي هي من الجماد والتي هي وليدة الأوهام والخيالات البشرية التي يدفع إليها إغواء الشياطين: العناصر الأربعة أي الماء والنار والتراب والهواء.
منشأ الخرافات: البعد عن الحقيقة:
نعم إن البعد عن مدرسة الإسلام والقرآن المجيد يجعل الإنسان معرضاً للإبتلاء بالخرافات, بحيث أن فئة في الهند تعبد الآلة التناسلية وقسم يعبدون البقر ويقولون: إنما تصح العبادة بغسل أحدهم وجهه ببول البقر, وأحياناً عندما تريد البقرة أن تبول يملأون أيديهم من بولها ويغسلون به وجوههم ثم يتوجهون للعبادة.
وطائفة المجوس يقولون البقر ترافقه الملائكة. والصابئون يعتبرون الملائكة بنات الله ويقولون إنها منشأ الحوادث, وجعلوا لله زوجة من الجن.
وطائفة أخرى تعبد الجن.
عبّاد الشجرة وطائفة الثنوية:
كان يوجد نخل مقدس في نجران تقدم له النذورات من سلاح وقماش وثياب تعلق عليه.
وفي كتاب أنيس الأعلام يقول: توجد شجرة على شاطيء نهر الكنكاني في الهند تتحرك أوراقها باستمرار بشكل منظم حيث تتحرك في الدقيقة ستين حركة ومشركو الهند يعبدون تلك الشجرة وذلك النهر ويقدسونهما.
والثنوية يقولون للعالم مبدءان أحدهما الله وهو عاقل ومصدر الخيرات وثانيهما الشيطان وهو سفيه ومصدر الشرور.
التوحيد الفطري:
يقول أهل التحقيق إن جميع أصناف المشركين يقولون بوحدانية الله أي باستثناء الدهرية والطبيعيين, فإن سائر الفرق البشرية التي تقول بوجود إله هم جميعاً يعتبرونه واحداً, وكما أن أصل الإعتقاد بالله فطري فكذلك الإعتقاد بوحدانيته, والكل يقولون إن الله العظيم واحد وكل تلك الأشكال والأشياء التي يعبدها المشركون على أصنافهم يعتبرونها آلهة صغيرة أو مظهر الله وصورته, ويتصورون بوهمهم الباطل أن هذه الأشياء هي مصدر النعم والملاذ ويقولون: حيث أنه لا طريق إلى الله العظيم فيجب أن تعبد هذه الآلهة الصغيرة.
الشرك في الفعل, الإطاعة, العبادة:
وبعبارة أخرى الكل متفقون في توحيد الذات والصفات للحق تعالى والكل يقولون أن الذات الخالدة لرب العالمين وصفاته الكمالية, ليس لها ند ولا معادل لكنهم جعلوا لله شركاء في توحيد الأفعال أي شؤون الربوبية والألوهية كما أنهم في مقام الإطاعة والتسليم المطلقين الذي لا ينبغي إلا لله يعتقدون بوجود شركاء وكذلك في مقام العبادة والحمد الذي ينبغي أن يكون لله فقط نجدهم يعبدون المخلوقات ويحمدونها.
عبادة الأصنام شرك جلي:
ما أشير إليه من أصناف المشركين كله من أنواع الشرك الجلي وكلمة مشرك كوصف تطلق على هؤلاء جميعاً في اصطلاح القرآن المجيد, ولكن شرك أهل الكتاب وأهل الإسلام كما سيأتي لا يصح سبباً لإطلاق وصف مشرك عليهم بل يقال فعلوا فعل المشركين كما يقال لتارك الحج فعل فعل الكفار ولا يقال له كافر.
باختصار هناك فرق بين الشرك الوصفي, والشرك الفعلي, فالمشركون إذن هم الذين يتحقق فيهم الشرك الجلي, وهو الإعتقاد بآلهة صغيرة وعبادتها بالتفصيل المتقدم.
شرك أهل الكتاب شرك خفي:
أما الشرك الخفي فهو شرك أهل الكتاب أي اليهود والنصارى وكذلك المجوس بناءاً على قول جمع من المحققين وشهادة الروايات بأنه قد كان لهم نبي وكتاب سماوي ولكنه رفع من بينهم.
وأهل الكتاب مشركون لعدة أسباب منها قول اليهود بأن عزيراً ابن الله وقول النصارى بالتوحيد في التثليث أي أن خالق العالم في حين أنه واحد فهو ثلاثة: الله وابنه عيسى والروح القدس والثلاثة واحد.
ويقول بالوحدة في التثليث عباد الأصنام وبوذيو الهند بل قال أهل التحقيق أن مذهب النصارى هذا قد أخذ من عبادة الأصنام.
مقتطفات من كتاب القلبُ السَّليم للسَّيّد عَبْد الحُسَيْن دَسْتغيْب(الشرك -1-)
وفقكم الله تعالى ببركة وسداد اهل البيت عليهم السلام
( يا علي يا علي يا علي (33))
بارك الله بكم
بسم الله الرحمن الرحيم
الشرك
من أمراض القلب الإنساني التي تحرفه عن الصراط المستقيم, مرض الشرك, أي أن يجعل الإنسان لله أنداداً, وذلك ذنب لا يغتفر وخطورة هذا الذنب وأنواعه مذكورة في كتاب الكبائر.
الشيء الذي يجب التذكير به هنا شدة وطأة هذا المرض على النفس الإنسانية الذي هو منشأ كل شقاء, وفي القرآن المجيد آيات عدة توضح أهمية هذا المرض وخطورته.
يقول تعالى في سورة الحج:
" ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ". الحج 31.
من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك:
أي أن الشخص المشرك يلقي بنفسه من مقام الإنسانية الشامخ وسماء التوحيد العظيمة التي هي حصن الله المنيع, ويخطفه الشيطان ليلقي به في أبعد دركات البعد عن رحمة الله ويقضي عليه, ويجعله أسير الأهواء والهوسوالأماني الكاذبة.
وباختصار: الشخص الذي يسقط من أوج التوحيد إلى حضيض الشرك فإن أهواء النفس تحطمه وتسحقه أو أن وساوس الشيطان تلقيه في وادي الضلال وتودي به إلى الهلاك.
التوحيد, وعبادة الله, مرتبة الإنسانية:
توضيح ذلك أن الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات ترتبط مكانته الشامخة وشأنه وشرفه بالله سبحانه, أن يعتبر نفسه عبداً لله أن يعرفه, ويعتبر كل شيء عنده منه, ويكون خضوعه وتواضعه في محراب عظمته فقط, أو أن يرى جميع المخلوقات من حيث العبودية على حد سواء معه, وأن الله هو المنعم وهو مولى جميع الكائنات, وأن لا يعتبر أي مخلوق قادراً على التأثير وفعل شيء إلا أن يشاء الله.
طبعاً ليس معنى هذا أن لا يبحث عن الأسباب, بل المراد أن يعتبر أن سببية الأسباب وتحقق الآثار والخواص, كله من الله.
مثلاً عند المرض لا بد من مراجعة الطبيب, ولا بد من استعمال الدواء عند اللزوم لكن يَعتبر أن الشفاء من الله, حيث أن الله سبحانه إذا لم يهب ذلك الدواء أثر الشفاء فمحال أن يكون له أثر, كما أنه إذا لم يرد سبحانه فإن الطبيب لن يستطيع أبداً تحديد المرض.
إذن عليه أن يعتبر نفسه وجميع المخلوقات مرتبطين بالله سبحانه ومحتاجين إليه في شؤون الحياة, ويكون على يقين من أن الرازق والآخذ, المعطي والمانع والحافظ والمنجي, له وللآخرين هو الله ويقول بيقين:
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, فله الملك وله الحمد.
هذا هو مقام الإنسانية الشامخ إنه عبادة الواحد الأحد.
وإذن إذا جعل إنسان نفسه أسيراً وذليلاً لمخلوق ( جماد – نبات – حيوان – إنسان – ملاك ) وخضع له وخشع وأطاع أمره واعتبر نفسه محتاجاً إليه, يتضح كيف أن هكذا إنساناً أسقط نفسه من مقام الإنسانية الشامخ الذي هو أعلى مراتب الوجود وربط نفسه بمرتبة مثله أو دونه وأصبح ذليلاً لها, في حين أن تلك المرتبة هي مثله وجود فقير عاجز وذليل ومحتاج إلى الله, ولا يملك أي استقلال.
العجز عن خلق بعوضة :
ويقول تعالى في آية أخرى: " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له, وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ". الحج 73.
أي: أنهم في مقام الإيجاد عاجزون عن خلق ذباب, وفي مقام التدبير عاجزون عن استرجاع ما يأخذه الذباب منهم, فهل يصح أن يكون البشر خاضعاً لهؤلاء وذليلاً أمامهم.
يقول الإمام الصادق عليه السلام : " كانت قريش تدهن الأصنام التي كانت في أطراف الكعبة بالمسك والعنبر معاً إلى أن سلط الله ذباباً أزرق له أربعة أجنحة على الأصنام فكانت تأكل ذلك المسك والعنبر ".
أقسام المعبودات الباطلة:
كثيرة هي الأشياء التي تحجب الإنسان عن رب العالمين وتشغله بنفسه وبإغواء الشياطين, فيجعل تلك الأشياء شريكاً في العبادة لله خالق العالم, وهي بشكل عام إما من سنخ الجماد أو النبات أو الحيوان أو البشر أو الجن والملائكة, وشرح كل من هذه الأمور يطول به المقام لذا يكتفى بالإشارة إلى كل منها.
أما المعبودات الباطلة التي هي من سنخ الجماد كالأصنام التي تصنع من الخشب أو الحجر أو جسم آخر مزين بالذهب والفضة, وسائر الجواهر, وتصنع على أشكال مختلفة, كالهياكل التي على شكل نجوم السماء وتنصب في المعابد ويعظمها الجهلة من الناس ويحترمونها رغم أنها من صنع البشر وهي بعدُ عديمة الحس والشعور ويتكل عليها ويطلب حاجته منها.
وقال النبي إبراهيم عليه السلام لعبادة الأصنام من قومه: " أتعبدون ما تنحتون, والله خلقكم وما تعملون ". الصافات 95 – 96.
أي كيف يصح بحكم العقل أن يعبد الإنسان ما صنعه هو, ثم أن كل شيء من هذه التماثيل مخلوق لله سبحانه.
والآيات القرآنية في تقريع عباد الأصنام وتأنيبهم, كثيرة.
الخضوع لجماد, غاية الإنحطاط:
ولأن من البديهي أن الإنسان أشرف من النبات والنبات أشرف من الجماد, فإن خضوع الإنسان للجماد الذي لا يمتلك إحساساً ولا شعوراً بحيث يجعل نفسه محتاجاً إليه, مخالف لحكم العقل, حيث أن الإنسان حينئذٍ نزّل نفسه عدة مراتب وجعلها دون مستوى الجماد.
الأعذار الواهية في عبادة الأصنام:
يعتمد البعض مغالطات شيطانية من أجل إظهار هذا المسلك الفاسد بمظهر جميل فيقولون أحياناً: نحن نعلم أن هذه الأصنام ليست الخالق ولا الرازق ولكن حيث أنه لا طريق للبشر إلى خالق العالم فلا مناص من صنع صورته أو صورة ملك مقرب منه من هذه الأجسام لنعبدها حتى تقربنا من الله لأن تعظيم صورة الشخص تعظيم له وقد نقل القرآن الكريم هذا العذر الواهي عن عباد الأصنام:
" ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ". الزمر 3.
الله قريب: وليس جسماً:
عدم صحة هذا الإدعاء واضح لكل أحد: لأن الله سبحانه أقرب إلى مخلوقه من كل أحد وكل شيء بحكم العقل والفطرة وأخبار الأنبياء.
وثانياً: إن الله سبحانه ليس جسماً حتى تكون له صورة بل هو خالق الجسم, وعليه فإن هذه الصور التي تصنع على أنها صورة الملك أو الله أو روحانية النجوم, كلها من صنع وهم الخيال البشري التي صنعها بإغواء الشياطين وانشغل بها, فغفل عن الله, دون أن يمتلك لعمله هذا أي سند عقلي وأية حجة إلهية كما تم إيضاح ذلك في القرآن الكريم مراراً.
عبادة العناصر الأربعة:
من المعبودات الباطلة أيضاً التي هي من الجماد والتي هي وليدة الأوهام والخيالات البشرية التي يدفع إليها إغواء الشياطين: العناصر الأربعة أي الماء والنار والتراب والهواء.
منشأ الخرافات: البعد عن الحقيقة:
نعم إن البعد عن مدرسة الإسلام والقرآن المجيد يجعل الإنسان معرضاً للإبتلاء بالخرافات, بحيث أن فئة في الهند تعبد الآلة التناسلية وقسم يعبدون البقر ويقولون: إنما تصح العبادة بغسل أحدهم وجهه ببول البقر, وأحياناً عندما تريد البقرة أن تبول يملأون أيديهم من بولها ويغسلون به وجوههم ثم يتوجهون للعبادة.
وطائفة المجوس يقولون البقر ترافقه الملائكة. والصابئون يعتبرون الملائكة بنات الله ويقولون إنها منشأ الحوادث, وجعلوا لله زوجة من الجن.
وطائفة أخرى تعبد الجن.
عبّاد الشجرة وطائفة الثنوية:
كان يوجد نخل مقدس في نجران تقدم له النذورات من سلاح وقماش وثياب تعلق عليه.
وفي كتاب أنيس الأعلام يقول: توجد شجرة على شاطيء نهر الكنكاني في الهند تتحرك أوراقها باستمرار بشكل منظم حيث تتحرك في الدقيقة ستين حركة ومشركو الهند يعبدون تلك الشجرة وذلك النهر ويقدسونهما.
والثنوية يقولون للعالم مبدءان أحدهما الله وهو عاقل ومصدر الخيرات وثانيهما الشيطان وهو سفيه ومصدر الشرور.
التوحيد الفطري:
يقول أهل التحقيق إن جميع أصناف المشركين يقولون بوحدانية الله أي باستثناء الدهرية والطبيعيين, فإن سائر الفرق البشرية التي تقول بوجود إله هم جميعاً يعتبرونه واحداً, وكما أن أصل الإعتقاد بالله فطري فكذلك الإعتقاد بوحدانيته, والكل يقولون إن الله العظيم واحد وكل تلك الأشكال والأشياء التي يعبدها المشركون على أصنافهم يعتبرونها آلهة صغيرة أو مظهر الله وصورته, ويتصورون بوهمهم الباطل أن هذه الأشياء هي مصدر النعم والملاذ ويقولون: حيث أنه لا طريق إلى الله العظيم فيجب أن تعبد هذه الآلهة الصغيرة.
الشرك في الفعل, الإطاعة, العبادة:
وبعبارة أخرى الكل متفقون في توحيد الذات والصفات للحق تعالى والكل يقولون أن الذات الخالدة لرب العالمين وصفاته الكمالية, ليس لها ند ولا معادل لكنهم جعلوا لله شركاء في توحيد الأفعال أي شؤون الربوبية والألوهية كما أنهم في مقام الإطاعة والتسليم المطلقين الذي لا ينبغي إلا لله يعتقدون بوجود شركاء وكذلك في مقام العبادة والحمد الذي ينبغي أن يكون لله فقط نجدهم يعبدون المخلوقات ويحمدونها.
عبادة الأصنام شرك جلي:
ما أشير إليه من أصناف المشركين كله من أنواع الشرك الجلي وكلمة مشرك كوصف تطلق على هؤلاء جميعاً في اصطلاح القرآن المجيد, ولكن شرك أهل الكتاب وأهل الإسلام كما سيأتي لا يصح سبباً لإطلاق وصف مشرك عليهم بل يقال فعلوا فعل المشركين كما يقال لتارك الحج فعل فعل الكفار ولا يقال له كافر.
باختصار هناك فرق بين الشرك الوصفي, والشرك الفعلي, فالمشركون إذن هم الذين يتحقق فيهم الشرك الجلي, وهو الإعتقاد بآلهة صغيرة وعبادتها بالتفصيل المتقدم.
شرك أهل الكتاب شرك خفي:
أما الشرك الخفي فهو شرك أهل الكتاب أي اليهود والنصارى وكذلك المجوس بناءاً على قول جمع من المحققين وشهادة الروايات بأنه قد كان لهم نبي وكتاب سماوي ولكنه رفع من بينهم.
وأهل الكتاب مشركون لعدة أسباب منها قول اليهود بأن عزيراً ابن الله وقول النصارى بالتوحيد في التثليث أي أن خالق العالم في حين أنه واحد فهو ثلاثة: الله وابنه عيسى والروح القدس والثلاثة واحد.
ويقول بالوحدة في التثليث عباد الأصنام وبوذيو الهند بل قال أهل التحقيق أن مذهب النصارى هذا قد أخذ من عبادة الأصنام.
مقتطفات من كتاب القلبُ السَّليم للسَّيّد عَبْد الحُسَيْن دَسْتغيْب(الشرك -1-)
وفقكم الله تعالى ببركة وسداد اهل البيت عليهم السلام
( يا علي يا علي يا علي (33))