شمس آل محمد (ص)
10-22-2011, 06:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكرم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أغلب الذين يريدون لقاء الامام بقية الله (روحي فداه ) إنما يريدون – في اكثر الحالات- ان تتيسر لهم امورهم المادية من خلال هذا اللقاء.
غير أن طائفة ممن يهمهم شأن المعنويات و النضج و الكمال الروحي .. ليس لهم من غرض في التشرف بلقاء الامام (عليه السلام) إلا الاستزادة من الكمالات و المعنويات و اللذة الروحية التي تفاض عليهم من المحضر المقدس لولي الله الأعظم امام الزمان (عليه السلام).
و على من يريد قضاء حاجاته – مادية كانت ام معنوية و اخروية – أن يتوجه بها إلى امامه (صلوات الله عليه ) ؛ علماً منه – أي صاحب الحاجة – أن وجوده هو محض افتقار و احتياج . علماً منه كذلك أن الامام – الذي هو يدالله و عين الله و لسان الله و غنى الله (تعالى ) – ما به من حاجة إلى احد ، و كل الآخرين محتاجون إليه ؛ لأنه وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء.
و على هذا .. فإنه لا مناص – في طلب الحاجات من الله (عزوجل) – من التوسل به (عليه السلام) ، و لا مناص للطالب أن يسأله ، لدى التشرف بلقائه ، كل ما يحتاج من خير الدنيا و الآخرة .. قائلاً : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار)
في كتاب (العبقري الحسان) يروي مؤلفه المرحوم النهاوندي ، عن العالم الجليل سيد عبدالله القزويني هذه الواقعة :
تشرفت سنة 1327هـ ، و معي زوجتي و ابنتي ، بزيارة العتبات المقدسة في العراق . و من النجف الأشرف مضينا يوم ثلاثاء إلى مسجد الكوفة . و كان عزم رفقائنا في سفرنا هذا أن يعودوا في اليوم نفسه إلى النجف.
قلت لهم : حسن أن نذهب هذه الليلة –ليلة الاربعاء – من مسجد الكوفة إلى مسجد السهلة ، فنؤدي أعمال مسجد السهلة هناك . في البداية وافق رفقاؤنا على ما اقترحت .. ثم تراجعوا قائلين : نحن لا نسير ليلاً في هذه البرية.
بيد أننا – أنا و زوجتي و ابنتي و أمرأة أخرى كانت معنا – قصدنا مسجد السهلة . حيث صلينا صلاتي المغرب و العشاء جماعة . و بعدها بدأنا بالدعاء و بأعمال المسجد ، و ما فطنا إلا و قد أنصرم هزيع من الليل ، فكان علينا أن نرجع إلى مسجد الكوفة في الحال.
في وقتها تملكني خوف شديد ؛ إذ كيف أرجع مع هذه النسوة إلى الكوفة في عربة مكشوفة لا نعرف عن سائقها أي شيئ ؟!
هذا إلى جوار أن (عطية ) المشهور قد تمرد في تلك السنة على الحكومة العراقية ، فكان يغير على المسافرين ليلاً ينهب طعامهم . و هذا كان أكثر ما يخيفني و يفزعني .
من قلبي – و أنا في غاية الفزع و الاضطراب – توجهت تلقاء الامام ولي العصر (ارواحنا فداه ) اتوسل به ، و أطلب من وجوده المقدس العون و المدد.
و بينما أنا كذلك .. حانت مني التفاته صوب مقام الامام ولي العصر (عليه السلام)الكائن في وسط المسجد . و هناك شاهدت نوراً عجيباً يحار له اللب ، و كأن الشمس قد أفرغت كل سناها مركـّزاً في تلك البقعة .
نهضت من فوري إلى المقام المقدس ، فرأيت سيداً جليلاً عظيماً في منتهى الجلال و العظمة ، جالساً يتعبد هناك .
جلست على ركبتي بين يديه ، و قبلت كفه المباركة . أردت أن أقبل جبينه .. فمال إلى الخلف و لم يدعني أفعل . جلست إلى جواره أدعو و أقرا الزيارة ، و كان هو مقبلاً على دعواته و أذكاره . و لما كنت أبلغ في الزيارة عبارة السلام على الامام صاحب الزمان (عليه السلام) كان هذا الرجل يجيبني قائلاً : و عليكم السلام !
ضايقني ذلك منه قليلاً ، و قلت في سري : أنا أسلم على امام زماني .. و هذا الرجل يجيب !
ثم نظر إليّ ، و قال : ادع و تعبـّد براحة خاطر ، فقد أوصيت (أكبر الكبابي )
ليوصلكم إلى مسجد الكوفة و يقدم لكم طعام العشاء .
أستأنست إليه لما سمعت منه هذه الكلمات ، و طلبت منه ثلاث حاجات :
الأولى : سعة الرزق و الخلاص من العسر . فأجابني إلى هذه الحاجة .
الثانية : أن يكون مدفني كربلاء عند الموت . فأجابني إليها أيضاً .
الثالثة : أني طلبن منه ولداً صالحا ً. فقال : ليس هذا بأيدينا . فسكت دونما اصرار ( و أذكر هنا أني كانت لي في أول شبابي زوجة أب ، و كانت لها بنت حسنة من زواجها الأول .. لم توافق على تزويجي إياها . فطلبت من الله (تعالى ) في حرم الامام الرضا (عليه السلام) أن يمن علي بالزواج من هذه الفتاة ، و لا أريد أولاداً . ثم أني اقترنت بالفتاة زوجة لي . . و لهذا لم أصر على أن تنجب أولاداً).
و تقدمت زوجتي إلى الامام بقية الله (روحي فداه ) و سألته ثلاثة حاجات كذلك.
إحداها أن تكون وفاتها قبل وفاتي ، و أكون أنا من يتولى تكفيناها و دفنها.
الأخرى : سعة الرزق .
الثالثة : أن تدفن أما في كربلاء و أما في مشهد و قد أجابها الامام (عليه السلام) ثلاثة حاجاتها ( و قد نالت فعلاً ما أرادت ، و توفيت في مشهد ، و توليت دفنهابنفسي ).
ثم تقدمت المرأة التي كانت برفقتنا ، و طلبت من الامام (عليه السلام) ثلاثة طلبات أيضاً .
الأول : شفاء زوجة ابنها . فقال الامام (عليه السلام) : سيهبها الشفاء جدي موسى بن جعفر (عليه السلام).
الثاني : طلبت الثروة و المال لأبنها . و هذا أيضاً اجابها الامام إليه .
الثالث : طول عمرها .. فأجابها (عليه السلام) إليه كذلك.
و قد شهدت بنفسي كيف تماثلت كنتها للشفاء في الكاظمين ، ثم كيف أثري ولدها و صار من الموسرين ، و كيف عمـّرت هي خمساً و تسعين سنة.
يقول سيد عبدالله القزويني : ثم خرجنا بعد الدعاء و الزيارة و بعد هذه المحاورة من المقام . فقالت لي أمرأتي : اعرفت من هو هذا السيد ؟
قلت : لا . فقالت : هذا السيد امام الزمان (عليه السلام).
عندها هرعت راجعاً إلى المكان ، و تطلعت في داخل المقام .. فما رأيت للنور من وجود و لا للسيد الذي كان هنا قبل لحظات . ما ثمة إلا فانوس معلّق في وسط المقام .. ثم لا شيئ . أما المسجد فقد كان غارقاً في الظلمة و السـّكون .
و هنا أدركت أن ذلكم النور كان من أنوار الوجودالمقدس للامام بقية الله (أرواحنا فداه) .
ثم لما أنتحينا ناحية من المسجد .. أقبل على شاب ، و قال : متى ما شئتم أوصلكم إلى مسجد الكوفة .
سألته : من أنت ؟
فأجاب : أنا (أكبر البهاري)
ما أن سمعت أسمه حتى تذكرت قول الامام (عليه السلام) : اوصيت اكبر الكبابي أن يوصلكم إلى مسجد الكوفة . لكني خلت أن الشاب ذكر اسمه بهذه الصيغة (اكبر البهائي) فانقبضت . (1)
قلت له : ماذا تقول ؟!
قال : اسمي : (اكبر البهاري ) . اسكن في محلة كباببي (2) همدان . و لأن قرية بهار تقع في أطراف همدان صار يقال لي : اكبر البهاري . و قد أمرني ذلكم السيد أن أوصلكم إلى مسجد الكوفة .
بعدئذ .. أصطحبنا الشاب – و معه اربعة اشخاص – و كان لنا في كمال الخدمة ، يدور لرعايتنا كالفراشة ، حتى أوصلنا بكل لطف و مودة إلى مسجد الكوفة .
** كل يوم يصلي الفجر مؤتماً بامام الزمان (عليه السلام)
لمحبة الصديقة السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) كبير الأثر في تزكية النفس . و لها كبير الأثر – من ثم – في التشرف بلقاء امام الزمان (روحي فداه) . هذا .. و للأئمة الأطهار (عليهم السلام) كافة – و هم القدوة و الأسوة لنا في كل الأعمال – تعلق عظيم بهذه الصديقة العظيمة ، فهم يتقدمون إليها (سلام الله عليها) بوافر التبجيل و التوقير . يقول أحد الأئمة الطاهرين : إذا كانت لنا إلى الله حاجة توسلنا بأمـّنا الزهراء (عليها السلام) . و إن روايات كثيرة وفيرة توصي بمحبة الصديقة الكبرى (سلام الله عليها) ؛ إذ هي البلسم العجيب لكل الأمراض الروحية.
و ثمة حادثة على قدر كبير من الأهمية .. أوردها في هذا السياق :
قبل عدة سنوات سافرة إلى مدينة شيراز ، لزيارة مقام السيد أحمد أبن الامام موسى الكاظم (عليه السلام) . و هو المقام المعروف بين الناس بامس (شاه جراغ) (3)
و بعد هذا التاريخ أمرت طاش خاتون (المتوفاة سنة 750هـ) ببناء قبة عالية على قبره الشريف عام (744هـ) ، و شيدت إلى جوارها مدرسة كبيرة.
و قد زار الرحالة ابن بطوطة شيراز مرتين ، كانت أخراهما سنة (748هـ) في حياة طاش خاتون و أيام حكم ولدها (شاه شيخ أبوإسحاق).
و قد وصف أبن بطوطة مشهد السيد أحمد بن الامام موسى الكاظم (عليه السلام) وصفاً ممتعاً ، جاء فيه : (فمنها مشهد أحمد بن بموسى أخي علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن ابي طالب (عليهم السلام) . و هو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به و يتوسلون إلى الله بفضله . و بنت عليه طاش خاتون اما السلطان أبي اسحاق مدرسة كبيرة ، و زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر ، و القراء يقرأون على التربة دائماً .و من عادة الخاتون أنها تأتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين . و يجتمع في تلك الليلة القضاة و الفقهاء و الشرفاء . فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك ختموا القرآن قراءة في المصحف . و قرأ القراء بالأصوات الحسنة ، و أتي بالطعام و الفواكه و الحلواء ، فإذا أكل القوم و عظ الواعظ . و يكون ذلك كله من بعد صلاة الظهر إلى العشى. و الخاتون في غرفة مطلة على المسجد ، لها شباك . ثم تـُضرب الطبول و الأنفار و البوقات على باب التربة – كما يفعل عند أبواب الملوك.
و في شيراز حللت في دار أحد العلماء في دار أحد العلماء .. و هناك جاء عدد من العلماء لرؤيتي . كان من بينهم المرحوم آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي .
في هذا الحضور جرى ذكر شخص اسمه (عبدالغفار) .. كان قد تشرف بلقاء الامام بقية الله (عليه السلام) . و لهذا الرجل مزار في مقبرة (دار السلام) ، بشيراز .. يقصده الناس للزيارة . و قد تحدث عنه من بين الحاضرين المرحوم آية الله المحلاتي أكثر من سواه .
و في اليوم التالي .. ذهبت برفقة مضيفي – و هو من أهل الإقبال الروحي في علماء شيراز – لزيارة قبر المرحوم (عبدالغفار) ، فوجدته قبراً له نور معنوي ، و روحية فـّياضة .
و بعد سنوات على زيارتي هذه .. طلبت من مضيفي الجليل أن يكتب لي ما يعرف عن ذلك الرجل الكبير ؛ لأجعله في الجزء الأول من هذا الكتاب . و لكن مضيفي لم يتمكن – مع الأسف – من ايصال ما طلبت منه إلى . حتى جاء يوم .. قدّم لي فيه الحاج عبدالرحيم سرافراز الشيرازي أوراقاً مكتوبة لأطلع عليها .
في الليلة السابعة عشرة من شهر صفر عام 1405هـ كنت أقرا في هذه المكتوبات . فكان أن عثرت من بينها على موضوع المرحوم عبدالغفار ، و قد دون بالتفصيل .. في وقت كنت قد وصلت فيه – لدى تأليف هذا الكتاب – إلى الموضع يستدعي إيراد هذا الموضوع .
من أجل هذا .. فإني أورده هنا كما جاء في مكتوبات الحاج عبدالرحيم سرافراز الشيرازي ، بتصرف طفيف يقتضيه الجانب البلاغي :
في أيام المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي ، جد المرحوم آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي . دخل يوما مدرسة ( خان شيراز ) رجل عليه اطمار باليه ، يحسبه الرائي حمالا من الحمالين ، وطلب هذا الرجل من خادم المدرسة أن يقيم في غرفه من غرفها . فاعلمه الخادم أن عليه أن يفاتح في هذا الموضوع المسؤول عن المدرسة . وقصد هذا الرجل مسؤول المدرسة وطلب غرفة له ، ولكن المسؤول أجابه : إن هذه مدرسه ولا نعطي غرفه الا لطلبة العلوم الدينية .
قال الرجل : اعلم ومع هذا .. أريد منكم غرفه اسكن فيها عدة أيام ،ووافق مسؤول المدرسة ولا يدري كيف وافق على أن يسكن في إحدى الغرف ليستريح فيها .
عندئذ دخل الرجل الغرفة ،وأغلق عليه بابها ولم يخالط احد .
كان خادم المدرسة يقفل بابها كعادته في الليل غير انه حين يفيق في الصباح كان يجد باب المدرسة مفتوحا .. مما جعله في حيره من أمره وقلق فما كان منه الا إن ابلغ المسؤول بالأمر .
قال المسؤول لخادم المدرسة : أغلق الليلة الباب وهات المفتاح .. لأعرف من يفتح الباب كل ليله ويخرج ، وفي الصباح .. وجدوا باب المدرسة مفتوحا أيضا وكأن أحدا قد فتحه وخرج ، وقد لفت أنظارهم أن حادثة فتح الباب ليلا قد بدأت منذ قدوم الرجل الغريب . فلا بد أن تحوم الشكوك عندئذ حول هذا الرجل . وراح مسؤول المدرسة يفكر أن لابد أن يكون لهذا الرجل سر . لكنه أسر الأمر بنفسه ولم يبده له ، فكان يذهب إليه في غرفته يتودد إليه ويسأله أن يناوله ثيابه ليغسلها له .. كما يشير عليه أن يخالط طلاب المدرسة ، أما هذا الرجل فكان يأبى ذلك قائلا : لست بحاجة إلى احد .
انسلخت مده على هذا المنوال .. حتى كانت ليله دعا فيها هذا الرجل المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي ومسؤول المدرسة إلى غرفته وقال لهما : لقد دنى اجلي وأريد أن احكي لكم قضيتي ولدي رجاء هو أن تدفنونني في موضع حسن .
قال : اسمي عبد الغفار معروف ب( مشهدي جوني ) من أهل ( خوئى ) وهي مدينه شمال غرب إيران حينما كنت في الخدمة العسكرية .. كان ضابط ناصبيا ، وفي احد الأيام تجاسر هذا الضابط وشتم الصديقة فاطمة
الزهراء (ع) عندها خرجت من طوري تناولت سكينا قريبه مني وكنا أنا والضابط بمفردنا ، فقتلته بها وفررت من( خوى ) . ولما بلغت الحدود العراقية عبرتها وواصلت طريقي إلى كربلاء .
وفي كربلاء مكثت زمانا ثم ذهبت إلى النجف وبعدها مضيت إلى الكاظمين وسامراء .. وبعد مده عزمت أن أعود إلى إيران لأقضي بقية عمري إلى جوار القبر الطاهر للإمام علي بن موسى الرضا (ع) في مشهد .
وفي طريق العودة بلغت شيراز واتخذت غرفة هذه المدرسة .. وها انتم ترون أني أقمت أياما هنا ....
وفي أواخر الليل لما استيقظت للتهجد .. كنت أرى باب المدرسة يفتح لي فكنت اخرج واذهب عند الجبل القبلي اصلي فريضة الفجر مؤتما بالإمام ولي العصر( روحي فداه) .
وانه لتؤسفني حالة أهل هذه البلدة : ترى لماذا لا يحضر منهم للصلاة خلف إمام الزمان (عج) الا خمسة أشخاص مع كثرة ساكنيها .
قال له المرحوم الشيخ المحلاتي ومسؤول المدرسة : يومك بعيد إنشاء الله وستظل حيا خاصة وانك غير مريض .
قال يجيبهما : غير ممكن لا يتحقق كلام إمامي ولي العصر(عج) . اليوم قال لي ستموت الليلة . ومهما يكن فقد أوصى الرجل وغطى نفسه (بشرشف ) ونام ولم تمر غير لحظه حتى اسلم الروح .
في اليوم التالي .. أبلغ المرحوم الشيخ المحلاتي علماء شيراز بواقعة الرجل . و أعلن المرحوم الشيخ مهدي الكجوري و المرحوم المحلاتي عن تعطيل الأعمال في البلدة . و شيع جثمانه تشيعاً شعبياً مهيباً.
دفن رحمة الله عليه – في مقبرة (دار السلام) بشيراز ، في جهة (الطاقات الأربع) . و قبره موضع اهتمام الخواص من الشيرازيين .. حتى انهم يطلبون حاجاتهم عند من الله تعالى . هذا وطالما كان يتردد على قبره العلماء والمراجع مثل آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي.
هذا ، و لعل المرحوم عبدالغفار الجندي ، قد طلب من الشيخ محمد حسين المحلاتي أن يدفن في موقع حسن ، لمعنى مقصود . و هو أنه إذا دفن في موضع لا يعني به الناس ..
فإنهم قلما يذكرونه حينئذ ، و قلما يدعون له بالرحمة.
عندما كتبت هذه الجملة عن المرحوم عبدالغفار الجندي ..
تذكرت ما وقع لي في السنة الماضية : لدى ذهابي إلى زنجان لزيارة قبر المرحوم أستاذي في الأخلاق الحاج ملا آقا جان (الذي دوّنت طرفاً من سيرته في كتاب : معراج الروح).. وجدت قبره الطاهر قد خرب ، و كاد يندرس أثره في مقبرة زنجان العامة ، فعزمت على إعادة بنائه .. و تم البناء فعلاً.
و في سفرتي الأخرى إلى زنجان لرؤية البناء الجديد .. رأيت في اليوم نفسه الحاج ملا آقا جان يشكرني – في عالم الرؤيا – و هو في غاية السرور.
قلت له : و لم هذا الشكر ؟
قال الآن صار حسناً جداً . صار قبري في هذه المقبرة مميزاً معروفاً ، يأتيه الناس جماعات ، و يدعون لي بالرحمة . و هذا يمدني بمنافع جمة .. و أنت السبب في هذه المنافع.
و الآن .. أخذ لكم ما تريد في مقابل محبـّتك هذه لي .
قلت : و ممن تأخذ لي ما أريد ؟
قال : أنسـيت أني كنت قد قلت لك أني بواب الامام سيد الشهداء (عليه السلام)؟!
و تذكرت في حينا أني كنت سألته – حين رأيته في المنام قبل خمسة عشر عاماً : في أي جنة تعيش الآن ؟ فقال : أنا بواب الامام سيد الشهداء (عليه السلام) . ( و في كتاب معراج الروح تفصيل هذا المنام)
عندها قلت له : نعم .. أذكر.
فقال :إذن العبد يأخذ من سيده كل ما يشاء .
ذكرت له ثلاث حاجات .. ترتبط إحداها بأموري الدنيوية ، و تتعلق الأخريان بأخرتي .. و قد أعطيت الأولى .. و لله الحمد . و عسى أن أنال الأخرويتين .
________________________
1- البهائي : الواحد من البهائية . و هي فئة ضالة كان لها شأن سياسي و اقتصادي في إيران أيام الحكم الملكي . و كان علماء الاسلام في خصام و نزاع ظاهر و مستور مع هذه الفئة المنحرفة ، بسبب عقائدها الضالة و ارتباطاتها السياسية المعادية للاسلام و المسلمين – (المترجم).
2- نسبة إلى الكباب .. و الكبابيون جمع الكبابي.
3- يذكر المؤرخون أن السيد أحمد أبن الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام) قد نزل شيراز في أيام خلافة المأمون ، بعد أستشهاد أخيه الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، لقتال المنحرفين . حيث استشهد هناك . و لم يوقف على قبره .. حتى ظهر مضجعه في أيام الأمير مقرب الدين مسعود بن بدر الوزير الأتابكي (المتوفى سنة 665 هـ) حيث بـُنيت عليه قبة . و قد ورد أنهم حين عثروا على قبره وجدوا بدنه في في قبره كما هو ، صحيحاً طري اللون لم يتغير ، و عليه درع سابغة ، و في يده خاتم نـُقش عليه : العزة لله – احمد بن موسى) . و قد شوهد في حينها نور يسطع من قبره عدة صباحات ، و رآه كثير من الناس . و لعل تلقيبه بـ (شاه جراغ) له صلة بهذه الحادثة ، إذ أن لفظة (جراغ) تعني المصباح أو القنديل.
منقول بتصرف من كتاب الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكرم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أغلب الذين يريدون لقاء الامام بقية الله (روحي فداه ) إنما يريدون – في اكثر الحالات- ان تتيسر لهم امورهم المادية من خلال هذا اللقاء.
غير أن طائفة ممن يهمهم شأن المعنويات و النضج و الكمال الروحي .. ليس لهم من غرض في التشرف بلقاء الامام (عليه السلام) إلا الاستزادة من الكمالات و المعنويات و اللذة الروحية التي تفاض عليهم من المحضر المقدس لولي الله الأعظم امام الزمان (عليه السلام).
و على من يريد قضاء حاجاته – مادية كانت ام معنوية و اخروية – أن يتوجه بها إلى امامه (صلوات الله عليه ) ؛ علماً منه – أي صاحب الحاجة – أن وجوده هو محض افتقار و احتياج . علماً منه كذلك أن الامام – الذي هو يدالله و عين الله و لسان الله و غنى الله (تعالى ) – ما به من حاجة إلى احد ، و كل الآخرين محتاجون إليه ؛ لأنه وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء.
و على هذا .. فإنه لا مناص – في طلب الحاجات من الله (عزوجل) – من التوسل به (عليه السلام) ، و لا مناص للطالب أن يسأله ، لدى التشرف بلقائه ، كل ما يحتاج من خير الدنيا و الآخرة .. قائلاً : ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار)
في كتاب (العبقري الحسان) يروي مؤلفه المرحوم النهاوندي ، عن العالم الجليل سيد عبدالله القزويني هذه الواقعة :
تشرفت سنة 1327هـ ، و معي زوجتي و ابنتي ، بزيارة العتبات المقدسة في العراق . و من النجف الأشرف مضينا يوم ثلاثاء إلى مسجد الكوفة . و كان عزم رفقائنا في سفرنا هذا أن يعودوا في اليوم نفسه إلى النجف.
قلت لهم : حسن أن نذهب هذه الليلة –ليلة الاربعاء – من مسجد الكوفة إلى مسجد السهلة ، فنؤدي أعمال مسجد السهلة هناك . في البداية وافق رفقاؤنا على ما اقترحت .. ثم تراجعوا قائلين : نحن لا نسير ليلاً في هذه البرية.
بيد أننا – أنا و زوجتي و ابنتي و أمرأة أخرى كانت معنا – قصدنا مسجد السهلة . حيث صلينا صلاتي المغرب و العشاء جماعة . و بعدها بدأنا بالدعاء و بأعمال المسجد ، و ما فطنا إلا و قد أنصرم هزيع من الليل ، فكان علينا أن نرجع إلى مسجد الكوفة في الحال.
في وقتها تملكني خوف شديد ؛ إذ كيف أرجع مع هذه النسوة إلى الكوفة في عربة مكشوفة لا نعرف عن سائقها أي شيئ ؟!
هذا إلى جوار أن (عطية ) المشهور قد تمرد في تلك السنة على الحكومة العراقية ، فكان يغير على المسافرين ليلاً ينهب طعامهم . و هذا كان أكثر ما يخيفني و يفزعني .
من قلبي – و أنا في غاية الفزع و الاضطراب – توجهت تلقاء الامام ولي العصر (ارواحنا فداه ) اتوسل به ، و أطلب من وجوده المقدس العون و المدد.
و بينما أنا كذلك .. حانت مني التفاته صوب مقام الامام ولي العصر (عليه السلام)الكائن في وسط المسجد . و هناك شاهدت نوراً عجيباً يحار له اللب ، و كأن الشمس قد أفرغت كل سناها مركـّزاً في تلك البقعة .
نهضت من فوري إلى المقام المقدس ، فرأيت سيداً جليلاً عظيماً في منتهى الجلال و العظمة ، جالساً يتعبد هناك .
جلست على ركبتي بين يديه ، و قبلت كفه المباركة . أردت أن أقبل جبينه .. فمال إلى الخلف و لم يدعني أفعل . جلست إلى جواره أدعو و أقرا الزيارة ، و كان هو مقبلاً على دعواته و أذكاره . و لما كنت أبلغ في الزيارة عبارة السلام على الامام صاحب الزمان (عليه السلام) كان هذا الرجل يجيبني قائلاً : و عليكم السلام !
ضايقني ذلك منه قليلاً ، و قلت في سري : أنا أسلم على امام زماني .. و هذا الرجل يجيب !
ثم نظر إليّ ، و قال : ادع و تعبـّد براحة خاطر ، فقد أوصيت (أكبر الكبابي )
ليوصلكم إلى مسجد الكوفة و يقدم لكم طعام العشاء .
أستأنست إليه لما سمعت منه هذه الكلمات ، و طلبت منه ثلاث حاجات :
الأولى : سعة الرزق و الخلاص من العسر . فأجابني إلى هذه الحاجة .
الثانية : أن يكون مدفني كربلاء عند الموت . فأجابني إليها أيضاً .
الثالثة : أني طلبن منه ولداً صالحا ً. فقال : ليس هذا بأيدينا . فسكت دونما اصرار ( و أذكر هنا أني كانت لي في أول شبابي زوجة أب ، و كانت لها بنت حسنة من زواجها الأول .. لم توافق على تزويجي إياها . فطلبت من الله (تعالى ) في حرم الامام الرضا (عليه السلام) أن يمن علي بالزواج من هذه الفتاة ، و لا أريد أولاداً . ثم أني اقترنت بالفتاة زوجة لي . . و لهذا لم أصر على أن تنجب أولاداً).
و تقدمت زوجتي إلى الامام بقية الله (روحي فداه ) و سألته ثلاثة حاجات كذلك.
إحداها أن تكون وفاتها قبل وفاتي ، و أكون أنا من يتولى تكفيناها و دفنها.
الأخرى : سعة الرزق .
الثالثة : أن تدفن أما في كربلاء و أما في مشهد و قد أجابها الامام (عليه السلام) ثلاثة حاجاتها ( و قد نالت فعلاً ما أرادت ، و توفيت في مشهد ، و توليت دفنهابنفسي ).
ثم تقدمت المرأة التي كانت برفقتنا ، و طلبت من الامام (عليه السلام) ثلاثة طلبات أيضاً .
الأول : شفاء زوجة ابنها . فقال الامام (عليه السلام) : سيهبها الشفاء جدي موسى بن جعفر (عليه السلام).
الثاني : طلبت الثروة و المال لأبنها . و هذا أيضاً اجابها الامام إليه .
الثالث : طول عمرها .. فأجابها (عليه السلام) إليه كذلك.
و قد شهدت بنفسي كيف تماثلت كنتها للشفاء في الكاظمين ، ثم كيف أثري ولدها و صار من الموسرين ، و كيف عمـّرت هي خمساً و تسعين سنة.
يقول سيد عبدالله القزويني : ثم خرجنا بعد الدعاء و الزيارة و بعد هذه المحاورة من المقام . فقالت لي أمرأتي : اعرفت من هو هذا السيد ؟
قلت : لا . فقالت : هذا السيد امام الزمان (عليه السلام).
عندها هرعت راجعاً إلى المكان ، و تطلعت في داخل المقام .. فما رأيت للنور من وجود و لا للسيد الذي كان هنا قبل لحظات . ما ثمة إلا فانوس معلّق في وسط المقام .. ثم لا شيئ . أما المسجد فقد كان غارقاً في الظلمة و السـّكون .
و هنا أدركت أن ذلكم النور كان من أنوار الوجودالمقدس للامام بقية الله (أرواحنا فداه) .
ثم لما أنتحينا ناحية من المسجد .. أقبل على شاب ، و قال : متى ما شئتم أوصلكم إلى مسجد الكوفة .
سألته : من أنت ؟
فأجاب : أنا (أكبر البهاري)
ما أن سمعت أسمه حتى تذكرت قول الامام (عليه السلام) : اوصيت اكبر الكبابي أن يوصلكم إلى مسجد الكوفة . لكني خلت أن الشاب ذكر اسمه بهذه الصيغة (اكبر البهائي) فانقبضت . (1)
قلت له : ماذا تقول ؟!
قال : اسمي : (اكبر البهاري ) . اسكن في محلة كباببي (2) همدان . و لأن قرية بهار تقع في أطراف همدان صار يقال لي : اكبر البهاري . و قد أمرني ذلكم السيد أن أوصلكم إلى مسجد الكوفة .
بعدئذ .. أصطحبنا الشاب – و معه اربعة اشخاص – و كان لنا في كمال الخدمة ، يدور لرعايتنا كالفراشة ، حتى أوصلنا بكل لطف و مودة إلى مسجد الكوفة .
** كل يوم يصلي الفجر مؤتماً بامام الزمان (عليه السلام)
لمحبة الصديقة السيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) كبير الأثر في تزكية النفس . و لها كبير الأثر – من ثم – في التشرف بلقاء امام الزمان (روحي فداه) . هذا .. و للأئمة الأطهار (عليهم السلام) كافة – و هم القدوة و الأسوة لنا في كل الأعمال – تعلق عظيم بهذه الصديقة العظيمة ، فهم يتقدمون إليها (سلام الله عليها) بوافر التبجيل و التوقير . يقول أحد الأئمة الطاهرين : إذا كانت لنا إلى الله حاجة توسلنا بأمـّنا الزهراء (عليها السلام) . و إن روايات كثيرة وفيرة توصي بمحبة الصديقة الكبرى (سلام الله عليها) ؛ إذ هي البلسم العجيب لكل الأمراض الروحية.
و ثمة حادثة على قدر كبير من الأهمية .. أوردها في هذا السياق :
قبل عدة سنوات سافرة إلى مدينة شيراز ، لزيارة مقام السيد أحمد أبن الامام موسى الكاظم (عليه السلام) . و هو المقام المعروف بين الناس بامس (شاه جراغ) (3)
و بعد هذا التاريخ أمرت طاش خاتون (المتوفاة سنة 750هـ) ببناء قبة عالية على قبره الشريف عام (744هـ) ، و شيدت إلى جوارها مدرسة كبيرة.
و قد زار الرحالة ابن بطوطة شيراز مرتين ، كانت أخراهما سنة (748هـ) في حياة طاش خاتون و أيام حكم ولدها (شاه شيخ أبوإسحاق).
و قد وصف أبن بطوطة مشهد السيد أحمد بن الامام موسى الكاظم (عليه السلام) وصفاً ممتعاً ، جاء فيه : (فمنها مشهد أحمد بن بموسى أخي علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن ابي طالب (عليهم السلام) . و هو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به و يتوسلون إلى الله بفضله . و بنت عليه طاش خاتون اما السلطان أبي اسحاق مدرسة كبيرة ، و زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر ، و القراء يقرأون على التربة دائماً .و من عادة الخاتون أنها تأتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين . و يجتمع في تلك الليلة القضاة و الفقهاء و الشرفاء . فإذا حضر القوم بالمشهد المبارك ختموا القرآن قراءة في المصحف . و قرأ القراء بالأصوات الحسنة ، و أتي بالطعام و الفواكه و الحلواء ، فإذا أكل القوم و عظ الواعظ . و يكون ذلك كله من بعد صلاة الظهر إلى العشى. و الخاتون في غرفة مطلة على المسجد ، لها شباك . ثم تـُضرب الطبول و الأنفار و البوقات على باب التربة – كما يفعل عند أبواب الملوك.
و في شيراز حللت في دار أحد العلماء في دار أحد العلماء .. و هناك جاء عدد من العلماء لرؤيتي . كان من بينهم المرحوم آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي .
في هذا الحضور جرى ذكر شخص اسمه (عبدالغفار) .. كان قد تشرف بلقاء الامام بقية الله (عليه السلام) . و لهذا الرجل مزار في مقبرة (دار السلام) ، بشيراز .. يقصده الناس للزيارة . و قد تحدث عنه من بين الحاضرين المرحوم آية الله المحلاتي أكثر من سواه .
و في اليوم التالي .. ذهبت برفقة مضيفي – و هو من أهل الإقبال الروحي في علماء شيراز – لزيارة قبر المرحوم (عبدالغفار) ، فوجدته قبراً له نور معنوي ، و روحية فـّياضة .
و بعد سنوات على زيارتي هذه .. طلبت من مضيفي الجليل أن يكتب لي ما يعرف عن ذلك الرجل الكبير ؛ لأجعله في الجزء الأول من هذا الكتاب . و لكن مضيفي لم يتمكن – مع الأسف – من ايصال ما طلبت منه إلى . حتى جاء يوم .. قدّم لي فيه الحاج عبدالرحيم سرافراز الشيرازي أوراقاً مكتوبة لأطلع عليها .
في الليلة السابعة عشرة من شهر صفر عام 1405هـ كنت أقرا في هذه المكتوبات . فكان أن عثرت من بينها على موضوع المرحوم عبدالغفار ، و قد دون بالتفصيل .. في وقت كنت قد وصلت فيه – لدى تأليف هذا الكتاب – إلى الموضع يستدعي إيراد هذا الموضوع .
من أجل هذا .. فإني أورده هنا كما جاء في مكتوبات الحاج عبدالرحيم سرافراز الشيرازي ، بتصرف طفيف يقتضيه الجانب البلاغي :
في أيام المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي ، جد المرحوم آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي . دخل يوما مدرسة ( خان شيراز ) رجل عليه اطمار باليه ، يحسبه الرائي حمالا من الحمالين ، وطلب هذا الرجل من خادم المدرسة أن يقيم في غرفه من غرفها . فاعلمه الخادم أن عليه أن يفاتح في هذا الموضوع المسؤول عن المدرسة . وقصد هذا الرجل مسؤول المدرسة وطلب غرفة له ، ولكن المسؤول أجابه : إن هذه مدرسه ولا نعطي غرفه الا لطلبة العلوم الدينية .
قال الرجل : اعلم ومع هذا .. أريد منكم غرفه اسكن فيها عدة أيام ،ووافق مسؤول المدرسة ولا يدري كيف وافق على أن يسكن في إحدى الغرف ليستريح فيها .
عندئذ دخل الرجل الغرفة ،وأغلق عليه بابها ولم يخالط احد .
كان خادم المدرسة يقفل بابها كعادته في الليل غير انه حين يفيق في الصباح كان يجد باب المدرسة مفتوحا .. مما جعله في حيره من أمره وقلق فما كان منه الا إن ابلغ المسؤول بالأمر .
قال المسؤول لخادم المدرسة : أغلق الليلة الباب وهات المفتاح .. لأعرف من يفتح الباب كل ليله ويخرج ، وفي الصباح .. وجدوا باب المدرسة مفتوحا أيضا وكأن أحدا قد فتحه وخرج ، وقد لفت أنظارهم أن حادثة فتح الباب ليلا قد بدأت منذ قدوم الرجل الغريب . فلا بد أن تحوم الشكوك عندئذ حول هذا الرجل . وراح مسؤول المدرسة يفكر أن لابد أن يكون لهذا الرجل سر . لكنه أسر الأمر بنفسه ولم يبده له ، فكان يذهب إليه في غرفته يتودد إليه ويسأله أن يناوله ثيابه ليغسلها له .. كما يشير عليه أن يخالط طلاب المدرسة ، أما هذا الرجل فكان يأبى ذلك قائلا : لست بحاجة إلى احد .
انسلخت مده على هذا المنوال .. حتى كانت ليله دعا فيها هذا الرجل المرحوم الشيخ محمد حسين المحلاتي ومسؤول المدرسة إلى غرفته وقال لهما : لقد دنى اجلي وأريد أن احكي لكم قضيتي ولدي رجاء هو أن تدفنونني في موضع حسن .
قال : اسمي عبد الغفار معروف ب( مشهدي جوني ) من أهل ( خوئى ) وهي مدينه شمال غرب إيران حينما كنت في الخدمة العسكرية .. كان ضابط ناصبيا ، وفي احد الأيام تجاسر هذا الضابط وشتم الصديقة فاطمة
الزهراء (ع) عندها خرجت من طوري تناولت سكينا قريبه مني وكنا أنا والضابط بمفردنا ، فقتلته بها وفررت من( خوى ) . ولما بلغت الحدود العراقية عبرتها وواصلت طريقي إلى كربلاء .
وفي كربلاء مكثت زمانا ثم ذهبت إلى النجف وبعدها مضيت إلى الكاظمين وسامراء .. وبعد مده عزمت أن أعود إلى إيران لأقضي بقية عمري إلى جوار القبر الطاهر للإمام علي بن موسى الرضا (ع) في مشهد .
وفي طريق العودة بلغت شيراز واتخذت غرفة هذه المدرسة .. وها انتم ترون أني أقمت أياما هنا ....
وفي أواخر الليل لما استيقظت للتهجد .. كنت أرى باب المدرسة يفتح لي فكنت اخرج واذهب عند الجبل القبلي اصلي فريضة الفجر مؤتما بالإمام ولي العصر( روحي فداه) .
وانه لتؤسفني حالة أهل هذه البلدة : ترى لماذا لا يحضر منهم للصلاة خلف إمام الزمان (عج) الا خمسة أشخاص مع كثرة ساكنيها .
قال له المرحوم الشيخ المحلاتي ومسؤول المدرسة : يومك بعيد إنشاء الله وستظل حيا خاصة وانك غير مريض .
قال يجيبهما : غير ممكن لا يتحقق كلام إمامي ولي العصر(عج) . اليوم قال لي ستموت الليلة . ومهما يكن فقد أوصى الرجل وغطى نفسه (بشرشف ) ونام ولم تمر غير لحظه حتى اسلم الروح .
في اليوم التالي .. أبلغ المرحوم الشيخ المحلاتي علماء شيراز بواقعة الرجل . و أعلن المرحوم الشيخ مهدي الكجوري و المرحوم المحلاتي عن تعطيل الأعمال في البلدة . و شيع جثمانه تشيعاً شعبياً مهيباً.
دفن رحمة الله عليه – في مقبرة (دار السلام) بشيراز ، في جهة (الطاقات الأربع) . و قبره موضع اهتمام الخواص من الشيرازيين .. حتى انهم يطلبون حاجاتهم عند من الله تعالى . هذا وطالما كان يتردد على قبره العلماء والمراجع مثل آية الله الشيخ بهاء الدين المحلاتي.
هذا ، و لعل المرحوم عبدالغفار الجندي ، قد طلب من الشيخ محمد حسين المحلاتي أن يدفن في موقع حسن ، لمعنى مقصود . و هو أنه إذا دفن في موضع لا يعني به الناس ..
فإنهم قلما يذكرونه حينئذ ، و قلما يدعون له بالرحمة.
عندما كتبت هذه الجملة عن المرحوم عبدالغفار الجندي ..
تذكرت ما وقع لي في السنة الماضية : لدى ذهابي إلى زنجان لزيارة قبر المرحوم أستاذي في الأخلاق الحاج ملا آقا جان (الذي دوّنت طرفاً من سيرته في كتاب : معراج الروح).. وجدت قبره الطاهر قد خرب ، و كاد يندرس أثره في مقبرة زنجان العامة ، فعزمت على إعادة بنائه .. و تم البناء فعلاً.
و في سفرتي الأخرى إلى زنجان لرؤية البناء الجديد .. رأيت في اليوم نفسه الحاج ملا آقا جان يشكرني – في عالم الرؤيا – و هو في غاية السرور.
قلت له : و لم هذا الشكر ؟
قال الآن صار حسناً جداً . صار قبري في هذه المقبرة مميزاً معروفاً ، يأتيه الناس جماعات ، و يدعون لي بالرحمة . و هذا يمدني بمنافع جمة .. و أنت السبب في هذه المنافع.
و الآن .. أخذ لكم ما تريد في مقابل محبـّتك هذه لي .
قلت : و ممن تأخذ لي ما أريد ؟
قال : أنسـيت أني كنت قد قلت لك أني بواب الامام سيد الشهداء (عليه السلام)؟!
و تذكرت في حينا أني كنت سألته – حين رأيته في المنام قبل خمسة عشر عاماً : في أي جنة تعيش الآن ؟ فقال : أنا بواب الامام سيد الشهداء (عليه السلام) . ( و في كتاب معراج الروح تفصيل هذا المنام)
عندها قلت له : نعم .. أذكر.
فقال :إذن العبد يأخذ من سيده كل ما يشاء .
ذكرت له ثلاث حاجات .. ترتبط إحداها بأموري الدنيوية ، و تتعلق الأخريان بأخرتي .. و قد أعطيت الأولى .. و لله الحمد . و عسى أن أنال الأخرويتين .
________________________
1- البهائي : الواحد من البهائية . و هي فئة ضالة كان لها شأن سياسي و اقتصادي في إيران أيام الحكم الملكي . و كان علماء الاسلام في خصام و نزاع ظاهر و مستور مع هذه الفئة المنحرفة ، بسبب عقائدها الضالة و ارتباطاتها السياسية المعادية للاسلام و المسلمين – (المترجم).
2- نسبة إلى الكباب .. و الكبابيون جمع الكبابي.
3- يذكر المؤرخون أن السيد أحمد أبن الامام موسى بن جعفر (عليهم السلام) قد نزل شيراز في أيام خلافة المأمون ، بعد أستشهاد أخيه الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، لقتال المنحرفين . حيث استشهد هناك . و لم يوقف على قبره .. حتى ظهر مضجعه في أيام الأمير مقرب الدين مسعود بن بدر الوزير الأتابكي (المتوفى سنة 665 هـ) حيث بـُنيت عليه قبة . و قد ورد أنهم حين عثروا على قبره وجدوا بدنه في في قبره كما هو ، صحيحاً طري اللون لم يتغير ، و عليه درع سابغة ، و في يده خاتم نـُقش عليه : العزة لله – احمد بن موسى) . و قد شوهد في حينها نور يسطع من قبره عدة صباحات ، و رآه كثير من الناس . و لعل تلقيبه بـ (شاه جراغ) له صلة بهذه الحادثة ، إذ أن لفظة (جراغ) تعني المصباح أو القنديل.
منقول بتصرف من كتاب الكمالات الروحية عن طريق اللقاء بالإمام صاحب الزمان (عج) للسيد حسن الأبطحي