سرّ؛فاطمة؛المكنون(ع)
12-12-2011, 03:29 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم
ذكر العلاّمة (قدس سره) في كتابه المسمّى بمنهاج اليقين بسنده عمّن رواه قال :
وقعت في بعض السنين ملحمة بقم ، وكان بها جماعة من العلويّين ، فتفرّق أهلها في البلاد ، وكان فيها امرأة علويّة صالحة كثيرة الصلاة والصيام ، وكان زوجها من أبناء عمّها اُصيب في تلك الملحمة ، وكان لها أربع بنات صغار من ابن عمّها ذلك ، فخرجت مع بناتها من قم ، لمّـا خرجت الناس منها .
فلم تزل ترمي بها الغربة من بلد إلى بلد حتّى أتت بلخ ، وكان قدومها إليها إبّان الشتاء ، فقدمت بلخ في يوم شديد البرد ، ذي غيم وثلج ، فحين قدمت بلخ بقيت متحيّرة لا تدري أين تذهب ، ولا تعرف موضعاً تأوي إليه يحفظها وبناتها من البرد والثلج ، فقيل لها : إنّ بالبلد رجلا من أكابرها معروفاً بالإيمان والصلاح يأوي إليه الغرباء وأهل المسكنة .
فقصدت إليه العلويّة وحولها بناتها ، فلقيته جالساً على باب داره وحوله جلساؤه وغلمانه ، فسلّمت عليه وقالت : أ يّها الملك إنّي امرأة علويّة ، ومعي بنات علويّات ، ونحن غرباء ، وقدمنا إلى هذا البلد في هذا الوقت وليس لنا من نأوي إليه ولا بها من يعرفنا فنلجأ إليه ، والثلج والبرد قد أضرّنا ، دُللنا إليك فقصدناك لتأوينا .
فقال : ومن يعرف أ نّك علويّة ، ائتيني على ذلك بشهود !
فلمّـا سمعت كلامه ، خرجت من عنده حزينة تبكي ودموعها تنتثر ، واقفة في الطريق متحيّرة لا تدري أين تذهب ، فمرّ بها سوقيٌّ فقال : ما لكِ أ يّتها المرأة واقفة ، والثلج يقع عليك ، وعلى هذه الأطفال معكِ ؟ فقالت : إنّي امرأة غريبة لا أعرف موضعاً آوي إليه ، فقال لها : امضي خلفي حتّى أدلّكِ على الخان الذي يأوي إليه الغرباء ، فمضت خلفه .
قال الراوي : وكان بمجلس ذلك الملك رجل مجوسيٌّ ، فلمّـا رأى العلويّة وقد ردّها الملك وتعلّل عليها بطلب الشهود ، وقعت لها الرحمة في قلبه فقام في طلبها مسرعاً فلحقها عن قريب ، فقال : إلى أين تذهبين أ يّتها العلويّة ؟ قالت : خلف رجل يدلّني إلى الخان لآوي إليه ، فقال لها المجوسي : لا بل ارجعي معي إلى منزلي ، فآوي إليه فإنّه خيرٌ لكِ ، قالت : نعم ، فرجعت معه إلى منزله .
فأدخلها منزله ، وأفرد لها بيتاً من خيار بيوته ، وأفرشه لها بأحسن الفرش وأسكنها فيه ، وجاء بها بالنار والحطب ، وأشعل لها التنّور وأعدّ لها جميع ما تحتاج إليه من المأكل والمشرب ، وحدّث امرأته وبناته بقصّتها مع الملك ، وفرح أهله بها وجاءت إليها مع بناتها وجواريها ، ولم تزل تخدمها وبناتها وتأنسها حتّى ذهب عنهنّ البرد والتعب والجوع .
فلمّـا دخل وقت الصلاة فقالت للمرأة : ألا تقوم إلى قضاء الفرض ؟ قالت لها امرأة المجوسيّ : وما الفرض ؟ إنّا اُناس لسنا على مذهبكم ، إنّا على دين المجوسيّ ، ولكن زوجي لمّـا سمع خطابك مع الملك ، وقولك إنّي امرأة علويّة ، وقعت محبّتك في قلبه لأجل اسم جدّكِ ، وردّ الملك لكِ ، مع أ نّه على دين جدّك .
فقالت العلويّة : اللهمّ بحقّ جدّي وحرمته عند الله أسأله أن يوفّق زوجكِ لدين جدّي ، ثمّ قامت العلويّة إلى الصلاة والدعاء طول ليلها بأن يهدي الله ذلك المجوسي لدين الإسلام .
قال الراوي : فلمّـا أخذ المجوسي مضجعه ونام مع أهله تلك الليلة ، رأى في منامه أنّ القيامة قد قامت والناس في المحشر ، وقد كظّهم العطش ، وأجهدهم الحرّ ، والمجوسيّ في أعظم ما يكون من ذلك ، فطلب الماء فقال له القائل : لا يوجد الماء إلاّ عند النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ، فهم يسقون أولياءهم من حوض الكوثر ، فقال المجوسيّ : لأقصدنّهم فلعلّهم يسقوني جزاء لما فعلت مع ابنتهم وإيوائي إيّاها فقصدهم ، فلمّـا وصلهم وجدهم يسقون من يرد إليهم من أوليائهم ويردّون من ليس من أوليائهم ، وعليّ (عليه السلام) واقف على شفير الحوض وبيده الكأس ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) جالس وحوله الحسن والحسين (عليهما السلام) ، وأبناؤهم .
فجاء المجوسيّ حتّى وقف عليهم ، وطلب الماء وهو لما به من العطش ، فقال له علي (عليه السلام) : إنّك لست على ديننا فنسقيك ، فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله) : يا عليّ ، أسقه . فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه على دين المجوسي ، فقال : يا عليّ ، إنّ له عليك يداً بيّنةً ، قد آوى ابنتك فلانة وبناتها فكنّهم عن البرد ، وأطعمهم من الجوع ، وها هي الآن في منزله مكرّمة ، فقال عليّ (عليه السلام) : ادنُ منّي ادنُ منّي ، فدنوت منه فناولني الكأس بيده ، فشربت شربة وجدت بردها على قلبي ، ولم أرَ شيئاً ألذّ ولا أطيب منها .
قال الراوي : وانتبه المجوسيّ من نومته ، وهو يجد بردها على قلبه ، ورطوبتها على شفتيه ولحيته ، فانتبه مرتاعاً ، وجلس فزعاً ، فقالت زوجته : ما شأنك ؟ فحدّثها بما رآه من أوّله إلى آخره ، وأراها رطوبة الماء على لحيته وشفتيه ، فقالت له : يا هذا ، قد ساق إليك خيراً بما فعلت مع هذه المرأة والأطفال العلويّين . فقال : نعم والله لا أطلب أثراً بعد عين .
قال الراوي : وقام الرجل من ساعته ، وأسرج الشمع ، وخرج هو وزوجته حتّى دخل على البيت الذي تسكنه العلويّة ، وحدّثها بما رآه ، فقامت وسجدت لله شكراً ، وقالت : والله إنّي لم أزل طول ليلتي أطلب إلى الله هدايتك للإسلام ، والحمد لله على استجابة دعائي فيك ، فقال لها : اعرضي عليّ الإسلام ، فعرضته عليه فأسلم وحسن إسلامه ، وأسلمت زوجته وجميع بناته وجواريه وغلمانه ، وأحضرهم مع العلويّة حتّى أسلموا جميعهم .
أ يّها القارئ الكريم ، لحظة من فضلك ، قبل أن اُكمل لك القصّة ، أرى قد اغرورقت عيناك وجرت دموعك الولائيّة على خدّيك ولان قلبك ، والآن مع هذه الحالة الروحانية يستجيب الله الدعاءَ ، فبالله عليك أسألك أن تدعو لنفسك أوّلا ثمّ للمؤمنين والمؤمنات ثمّ تدعو لي إن كنت حيّاً أن يقبلني الله بقبول حسن ويوفّقني لما فيه رضاه ويسعدني وأهلي في الدارين ، وإن كنت ميّتاً أن يغفر لي ويرفع درجاتي ويحشرني مع محمّد وآله ، كما أدعو لك بذلك . وإليك تتمّة القصّة :
قال الراوي : وأمّا ما كان من الملك فإنّه في تلك الليلة لمّـا أوى إلى فراشه رآى في منامه ما رآه المجوسيّ وأ نّه قد أقبل إلى الكوثر ، فقال : يا أمير المؤمنين اسقني فإنّي وليٌّ من أوليائك ، فقال له عليّ (عليه السلام) : اطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإنّي لا أسقي أحداً إلاّ بأمره ، فأقبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر لي بشربة من الماء فإنّي وليٌّ من أوليائكم ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ائتني على ذلك بشهود ، فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وكيف تطلب منّي الشهود دون غيري من أوليائكم ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : وكيف طلبت الشهود من ابنتنا العلويّة ، لمّـا أتتك وبناتها تطلب منك أن تأويها في منزلك ؟
فقال : ثمّ انتبه وهو حيران القلب ، شديد الظمأ ، فوقع في الحسرة والندامة على ما فرط منه في حقّ العلويّة ، وتأسّف على ردّها ، فبقي ساهراً بقيّة ليلته حتّى أصبح وركب وقت الصبح يطلب العلويّة ويسأل عنها ، فلم يزل يسأل ولم يجد من يخبره عنها ، حتّى وقع على السوقي ، الذي أراد أن يدلّها على الخان فأدلّه أنّ الرجل المجوسيّ الذي كان معه في مجلسه أخذها إلى بيته ، فعجب من ذلك .
ثمّ إنّه قصد إلى منزل المجوسي وطرق الباب ، فقيل : من بالباب ؟ فقيل له : الملك واقف ببابك يطلبك ، فعجب الرجل من مجيء الملك إلى منزله ، إذ لم يكن من عادته ، فخرج إليه مسرعاً ، فلمّـا رآه الملك ، وجد عليه الإسلام ونوره ، فقال الرجل للملك : ما سبب مجيئك إلى منزلي ؟ ولم يكن لك ذلك عادة ، فقال : من أجل هذه المرأة العلويّة وقد قيل لي إنّها في منزلك ، وقد جئت في طلبها ولكن أخبرني على حال هذه الحلية عليك ، فإنّي أراك قد صرت مسلماً .
فقال : نعم والحمد لله ، وقد منّ عليّ ببركة هذه العلوية ودخولها منزلي بالإسلام ، فصرت أنا وأهلي وبناتي وجميع أهل بيتي مسلمين على دين محمّد وأهل بيته ، فقال له : وما السبب في إسلامك ؟ فحدّثه بحديثه ، ودعاء العلويّة له ورؤياه وقصّ القصّة بتمامها .
ثمّ قال : وأنت أ يّها الملك وما السبب في حرصك على التفتيش عنها بعد إعراضك أوّلا عنها وطردك إيّاها ؟ فحدّثه الملك بما رآه ، وما وقع له مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) فحمد الله تعالى ذلك الرجل على توفيق الله تعالى إيّاه لذلك الأمر الذي نال به الشرف والإسلام ، وزادت بصيرته .
ثمّ دخل الرجل على العلويّة فأخبرها بحال الملك ، فبكت وخرّت ساجدة لله شكراً على ما عرّفه من حقّها ، فاستأذنها في إدخاله عليها ، فأذنت له : فدخل عليها واعتذر إليها وحدّثها بما جرى له مع جدّها صلوات الله عليه ، وسألها الانتقال إلى منزله فأبت وقالت : هيهات ، لا والله ، ولو أنّ الذي أنا في منزله كره مقامي فيه لما انتقلت إليك .
وعلم صاحب المنزل بذلك فقال : لا والله لا تبرحي منزلي وإنّي قد وهبتك هذا المنزل ، وما أعددت فيه من الاُهبة ، وأنا وأهلي وبناتي وأخدامي كلّنا في خدمتك ، ونرى ذلك قليلا في جنب ما أنعم الله تعالى به علينا بقدومكِ .
قال الراوي : وخرج الملك ، وأتى منزله وأرسل إليها ثياباً وهدايا وكيساً فيه جملة من المال ، فردّت ذلك ولم تقبل منه شيئاً .
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، المصدر : المأمول في تكريم ذرية الرسول صلى الله عليه واله وسلم
للسيد عادل العلوي حفظه الله
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم ياكريم
ذكر العلاّمة (قدس سره) في كتابه المسمّى بمنهاج اليقين بسنده عمّن رواه قال :
وقعت في بعض السنين ملحمة بقم ، وكان بها جماعة من العلويّين ، فتفرّق أهلها في البلاد ، وكان فيها امرأة علويّة صالحة كثيرة الصلاة والصيام ، وكان زوجها من أبناء عمّها اُصيب في تلك الملحمة ، وكان لها أربع بنات صغار من ابن عمّها ذلك ، فخرجت مع بناتها من قم ، لمّـا خرجت الناس منها .
فلم تزل ترمي بها الغربة من بلد إلى بلد حتّى أتت بلخ ، وكان قدومها إليها إبّان الشتاء ، فقدمت بلخ في يوم شديد البرد ، ذي غيم وثلج ، فحين قدمت بلخ بقيت متحيّرة لا تدري أين تذهب ، ولا تعرف موضعاً تأوي إليه يحفظها وبناتها من البرد والثلج ، فقيل لها : إنّ بالبلد رجلا من أكابرها معروفاً بالإيمان والصلاح يأوي إليه الغرباء وأهل المسكنة .
فقصدت إليه العلويّة وحولها بناتها ، فلقيته جالساً على باب داره وحوله جلساؤه وغلمانه ، فسلّمت عليه وقالت : أ يّها الملك إنّي امرأة علويّة ، ومعي بنات علويّات ، ونحن غرباء ، وقدمنا إلى هذا البلد في هذا الوقت وليس لنا من نأوي إليه ولا بها من يعرفنا فنلجأ إليه ، والثلج والبرد قد أضرّنا ، دُللنا إليك فقصدناك لتأوينا .
فقال : ومن يعرف أ نّك علويّة ، ائتيني على ذلك بشهود !
فلمّـا سمعت كلامه ، خرجت من عنده حزينة تبكي ودموعها تنتثر ، واقفة في الطريق متحيّرة لا تدري أين تذهب ، فمرّ بها سوقيٌّ فقال : ما لكِ أ يّتها المرأة واقفة ، والثلج يقع عليك ، وعلى هذه الأطفال معكِ ؟ فقالت : إنّي امرأة غريبة لا أعرف موضعاً آوي إليه ، فقال لها : امضي خلفي حتّى أدلّكِ على الخان الذي يأوي إليه الغرباء ، فمضت خلفه .
قال الراوي : وكان بمجلس ذلك الملك رجل مجوسيٌّ ، فلمّـا رأى العلويّة وقد ردّها الملك وتعلّل عليها بطلب الشهود ، وقعت لها الرحمة في قلبه فقام في طلبها مسرعاً فلحقها عن قريب ، فقال : إلى أين تذهبين أ يّتها العلويّة ؟ قالت : خلف رجل يدلّني إلى الخان لآوي إليه ، فقال لها المجوسي : لا بل ارجعي معي إلى منزلي ، فآوي إليه فإنّه خيرٌ لكِ ، قالت : نعم ، فرجعت معه إلى منزله .
فأدخلها منزله ، وأفرد لها بيتاً من خيار بيوته ، وأفرشه لها بأحسن الفرش وأسكنها فيه ، وجاء بها بالنار والحطب ، وأشعل لها التنّور وأعدّ لها جميع ما تحتاج إليه من المأكل والمشرب ، وحدّث امرأته وبناته بقصّتها مع الملك ، وفرح أهله بها وجاءت إليها مع بناتها وجواريها ، ولم تزل تخدمها وبناتها وتأنسها حتّى ذهب عنهنّ البرد والتعب والجوع .
فلمّـا دخل وقت الصلاة فقالت للمرأة : ألا تقوم إلى قضاء الفرض ؟ قالت لها امرأة المجوسيّ : وما الفرض ؟ إنّا اُناس لسنا على مذهبكم ، إنّا على دين المجوسيّ ، ولكن زوجي لمّـا سمع خطابك مع الملك ، وقولك إنّي امرأة علويّة ، وقعت محبّتك في قلبه لأجل اسم جدّكِ ، وردّ الملك لكِ ، مع أ نّه على دين جدّك .
فقالت العلويّة : اللهمّ بحقّ جدّي وحرمته عند الله أسأله أن يوفّق زوجكِ لدين جدّي ، ثمّ قامت العلويّة إلى الصلاة والدعاء طول ليلها بأن يهدي الله ذلك المجوسي لدين الإسلام .
قال الراوي : فلمّـا أخذ المجوسي مضجعه ونام مع أهله تلك الليلة ، رأى في منامه أنّ القيامة قد قامت والناس في المحشر ، وقد كظّهم العطش ، وأجهدهم الحرّ ، والمجوسيّ في أعظم ما يكون من ذلك ، فطلب الماء فقال له القائل : لا يوجد الماء إلاّ عند النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ، فهم يسقون أولياءهم من حوض الكوثر ، فقال المجوسيّ : لأقصدنّهم فلعلّهم يسقوني جزاء لما فعلت مع ابنتهم وإيوائي إيّاها فقصدهم ، فلمّـا وصلهم وجدهم يسقون من يرد إليهم من أوليائهم ويردّون من ليس من أوليائهم ، وعليّ (عليه السلام) واقف على شفير الحوض وبيده الكأس ، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) جالس وحوله الحسن والحسين (عليهما السلام) ، وأبناؤهم .
فجاء المجوسيّ حتّى وقف عليهم ، وطلب الماء وهو لما به من العطش ، فقال له علي (عليه السلام) : إنّك لست على ديننا فنسقيك ، فقال له النبيّ (صلى الله عليه وآله) : يا عليّ ، أسقه . فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه على دين المجوسي ، فقال : يا عليّ ، إنّ له عليك يداً بيّنةً ، قد آوى ابنتك فلانة وبناتها فكنّهم عن البرد ، وأطعمهم من الجوع ، وها هي الآن في منزله مكرّمة ، فقال عليّ (عليه السلام) : ادنُ منّي ادنُ منّي ، فدنوت منه فناولني الكأس بيده ، فشربت شربة وجدت بردها على قلبي ، ولم أرَ شيئاً ألذّ ولا أطيب منها .
قال الراوي : وانتبه المجوسيّ من نومته ، وهو يجد بردها على قلبه ، ورطوبتها على شفتيه ولحيته ، فانتبه مرتاعاً ، وجلس فزعاً ، فقالت زوجته : ما شأنك ؟ فحدّثها بما رآه من أوّله إلى آخره ، وأراها رطوبة الماء على لحيته وشفتيه ، فقالت له : يا هذا ، قد ساق إليك خيراً بما فعلت مع هذه المرأة والأطفال العلويّين . فقال : نعم والله لا أطلب أثراً بعد عين .
قال الراوي : وقام الرجل من ساعته ، وأسرج الشمع ، وخرج هو وزوجته حتّى دخل على البيت الذي تسكنه العلويّة ، وحدّثها بما رآه ، فقامت وسجدت لله شكراً ، وقالت : والله إنّي لم أزل طول ليلتي أطلب إلى الله هدايتك للإسلام ، والحمد لله على استجابة دعائي فيك ، فقال لها : اعرضي عليّ الإسلام ، فعرضته عليه فأسلم وحسن إسلامه ، وأسلمت زوجته وجميع بناته وجواريه وغلمانه ، وأحضرهم مع العلويّة حتّى أسلموا جميعهم .
أ يّها القارئ الكريم ، لحظة من فضلك ، قبل أن اُكمل لك القصّة ، أرى قد اغرورقت عيناك وجرت دموعك الولائيّة على خدّيك ولان قلبك ، والآن مع هذه الحالة الروحانية يستجيب الله الدعاءَ ، فبالله عليك أسألك أن تدعو لنفسك أوّلا ثمّ للمؤمنين والمؤمنات ثمّ تدعو لي إن كنت حيّاً أن يقبلني الله بقبول حسن ويوفّقني لما فيه رضاه ويسعدني وأهلي في الدارين ، وإن كنت ميّتاً أن يغفر لي ويرفع درجاتي ويحشرني مع محمّد وآله ، كما أدعو لك بذلك . وإليك تتمّة القصّة :
قال الراوي : وأمّا ما كان من الملك فإنّه في تلك الليلة لمّـا أوى إلى فراشه رآى في منامه ما رآه المجوسيّ وأ نّه قد أقبل إلى الكوثر ، فقال : يا أمير المؤمنين اسقني فإنّي وليٌّ من أوليائك ، فقال له عليّ (عليه السلام) : اطلب من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فإنّي لا أسقي أحداً إلاّ بأمره ، فأقبل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر لي بشربة من الماء فإنّي وليٌّ من أوليائكم ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ائتني على ذلك بشهود ، فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وكيف تطلب منّي الشهود دون غيري من أوليائكم ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : وكيف طلبت الشهود من ابنتنا العلويّة ، لمّـا أتتك وبناتها تطلب منك أن تأويها في منزلك ؟
فقال : ثمّ انتبه وهو حيران القلب ، شديد الظمأ ، فوقع في الحسرة والندامة على ما فرط منه في حقّ العلويّة ، وتأسّف على ردّها ، فبقي ساهراً بقيّة ليلته حتّى أصبح وركب وقت الصبح يطلب العلويّة ويسأل عنها ، فلم يزل يسأل ولم يجد من يخبره عنها ، حتّى وقع على السوقي ، الذي أراد أن يدلّها على الخان فأدلّه أنّ الرجل المجوسيّ الذي كان معه في مجلسه أخذها إلى بيته ، فعجب من ذلك .
ثمّ إنّه قصد إلى منزل المجوسي وطرق الباب ، فقيل : من بالباب ؟ فقيل له : الملك واقف ببابك يطلبك ، فعجب الرجل من مجيء الملك إلى منزله ، إذ لم يكن من عادته ، فخرج إليه مسرعاً ، فلمّـا رآه الملك ، وجد عليه الإسلام ونوره ، فقال الرجل للملك : ما سبب مجيئك إلى منزلي ؟ ولم يكن لك ذلك عادة ، فقال : من أجل هذه المرأة العلويّة وقد قيل لي إنّها في منزلك ، وقد جئت في طلبها ولكن أخبرني على حال هذه الحلية عليك ، فإنّي أراك قد صرت مسلماً .
فقال : نعم والحمد لله ، وقد منّ عليّ ببركة هذه العلوية ودخولها منزلي بالإسلام ، فصرت أنا وأهلي وبناتي وجميع أهل بيتي مسلمين على دين محمّد وأهل بيته ، فقال له : وما السبب في إسلامك ؟ فحدّثه بحديثه ، ودعاء العلويّة له ورؤياه وقصّ القصّة بتمامها .
ثمّ قال : وأنت أ يّها الملك وما السبب في حرصك على التفتيش عنها بعد إعراضك أوّلا عنها وطردك إيّاها ؟ فحدّثه الملك بما رآه ، وما وقع له مع النبيّ (صلى الله عليه وآله) فحمد الله تعالى ذلك الرجل على توفيق الله تعالى إيّاه لذلك الأمر الذي نال به الشرف والإسلام ، وزادت بصيرته .
ثمّ دخل الرجل على العلويّة فأخبرها بحال الملك ، فبكت وخرّت ساجدة لله شكراً على ما عرّفه من حقّها ، فاستأذنها في إدخاله عليها ، فأذنت له : فدخل عليها واعتذر إليها وحدّثها بما جرى له مع جدّها صلوات الله عليه ، وسألها الانتقال إلى منزله فأبت وقالت : هيهات ، لا والله ، ولو أنّ الذي أنا في منزله كره مقامي فيه لما انتقلت إليك .
وعلم صاحب المنزل بذلك فقال : لا والله لا تبرحي منزلي وإنّي قد وهبتك هذا المنزل ، وما أعددت فيه من الاُهبة ، وأنا وأهلي وبناتي وأخدامي كلّنا في خدمتك ، ونرى ذلك قليلا في جنب ما أنعم الله تعالى به علينا بقدومكِ .
قال الراوي : وخرج الملك ، وأتى منزله وأرسل إليها ثياباً وهدايا وكيساً فيه جملة من المال ، فردّت ذلك ولم تقبل منه شيئاً .
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، المصدر : المأمول في تكريم ذرية الرسول صلى الله عليه واله وسلم
للسيد عادل العلوي حفظه الله