نور فاطمة الكبرى
08-08-2013, 03:07 AM
بسم الله الرحمن الرحيم-
اللهم صل على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين الاشراف و عجل فرجهم يا كريم
السلام ليك يا بقية الله في أرضِه
السلام عليكم ورحمة الله وبركات
س1/ ما وجه اختياركم لهذا الموضوع -خصوصاً مع كونه مصدر قلق ورعب عند الكثير من الناس- وهل تعتقدون أن الجهل بالمستقبل، هو منشأ أساسي لهذا الحالة؟..
لا شك بأن تعبير الموت، وما يتعلق به: من المغتسل، والتكفين، والتجهيز.. من المواضيع التي تورث حالة من حالات الخوف والقلق.. حتى أن البعض لا يقصد المقبرة أبداً؛ لأن هذا يذكره بما ينغص لذته!.. والحال بأن الموت هو النهاية الطبيعية، التي سوف نواجهها شئنا أم أبينا.. وقد قال الصادق (ع): (لم يخلق الله عزّ وجلّ يقيناً لا شكّ فيه، أشبه بشكٍ لا يقين فيه من الموت)؛ أي يقين فيه كثير من الشك، إذ أن أغلب الناس تأخذهم الغفلة في هذه الحياة عن الاستعداد للآخرة، فمن ذا الذي لا يخشى ملك الموت، وينظر إليه على أنه رسول الله، جاء لينقله من عالم الضيق والوحشة، إلى عالم رحب فسيح؟!.. وفي روايات أهل البيت (ع) تشبه الحياة والموت بالولادة: حيث الجنين في بطن أمه، يعيش محصوراً في ظلمات ثلاث لمدة محدودة، ثم لا يلبث أن يتحرر ويخرج إلى عالم أرحب.. فالذي ينتقل من هذه النشأة، يتذكر ضيق الدنيا وتفاهتها.. ومع أن القرآن الكريم يعبر عن الدنيا باللهو واللعب، غير أنها مزرعة المستثمرين، الذين يجعلونها وسيلة لا هدفاً بحد ذاته.. فالذي يعتقد بأن الموت هو النهاية، أو هو عبارة عن العدم والفناء؛ لا شك في أنه سيخاف وينفر من الموت.. أما المؤمن؛ فإن الموت بالنسبة له بداية لحياة خالدة، لا تقاس نعيماً بالدنيا وما فيها من المتاع.. ومن هنا قيل:بأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؛ قياساً لما سيواجهه .
ومن الطبيعي أن الإنسان يحب البقاء في المكان الآمن، فهو إذا ما أوشك على سفر إلى بلدة ما، وعلم بأنه مكان مجهول، ومن الممكن أن تكتنفه المخاطر والأعداء؛ فقطعاً سيستنكف عن هذا السفر.. وقد ورد في بعض الروايات -ما مضمونه-: بأن الإنسان عندما يموت ينتقل إلى الآخرة بآخر ما كان مشغولاً به، فالإنسان المتعلق قلبه -مثلا- ببناء منزل، وكل همه وغمه أن ينجزه؛ فإنه عندما يموت، يذهب للآخرة بهذا الهم الذي كان في جوفه.. فإذن، إن الجهل بعواقب الموت، وعدم المعرفة لما سيؤول إليه أمره من بواعث الخوف.
قيل للإمام محمد بن علي الجواد (ع): ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟.. قال: لأنهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عزّ وجلّ لأحبّوه، ولعلموا أنّ الآخرة خيرٌ لهم من الدنيا ، ثم قال (ع):
يا أبا عبد الله!.. ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه؟.. قال: لجهلهم بنفع الدواء.
قال: والذي بعث محمداً بالحقّ نبياً!.. إنّ مَن استعدّ للموت حقّ الاستعداد، فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج.. أما إنهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم؛ لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامة.
وسئل الحسن (ع): ما الموت الذي جهلوه؟.. قال: أعظم سرورٍ يرد على المؤمنين، إذا نُقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد!.. وأعظم ثبورٍ يرد على الكافرين، إذا نُقلوا عن جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد!..
س2/ القرآن الكريم يعبر عن الموت بأنه مخلوق، إذ يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.. فما هي فلسفة الموت في حياة الإنسان، ولماذا قدم الموت على الحياة في الآية الكريمة؟..
طبعاً، إن كلمات القرآن الكريم -الكتاب الخالد- كلمات في أعلى درجات الإتقان، فرب العالمين أحكم الحاكمين، وعندما يستعمل أي كلمة؛ يراعي كل المداليل التي هي مكتنفة لهذا التعبير.
إن الأمر الواضح في عالم الخلق، هو الحياة وما يستتبعها من المظاهر؛ ولكن نلاحظ بأن القرآن الكريم في هذه الآية، يقدم الموت على الحياة.. ولعل السبب هو: كون الموت مرحلة من مراحل حياة الإنسان في الوجود، وأن هذه المرحلة هي الأرقى؛ كونها هي المحصلة والنتيجة النهائية، فمن المعلوم بأن الثمرة تفوق الشجرة؛ أي أن الموت وما بعد الموت، بمثابة قطف الثمار للإنسان.
ثم إن القرآن الكريم في سورة الملك -التي من المعلوم أنها من السور المهمة، ويقال بأنها أسرع السور وصولاً إلى روح الميت، فلا ينبغي إنكار هذه الحقيقة: بأن إهداء الأعمال الصالحة: قولية، وفعلية؛ تحول إلى نور ينفع الميت في قبره، على شكل من الأشكال: فسحة في القبر، أو تخفيفاً للعذاب، أو ما شابه ذلك- ثبّت مبدأ النوعية مقابل الكيفية، فليس المطلوب هو الإكثار من العمل، الذي لا روح فيه ولا روح له، بقدر الإتقان وإحراز الثمرة المرجوة من ذلك العمل.. ورد في الحديث: (ركعتان مقتصدتان في تفكّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه).. وعليه، فإننا نقول: لا ينبغي للمؤمن أن يتحسر على قلة العمل -وخصوصاً مع ضيق ذات اليد- فيتمنى بناء مؤسسة خيرية، أو مسجد.. فلا شك بأن الله تعالى يتقبل القليل الخالص لوجهه الكريم، كما تقبل قربان هابيل.
فإذن، إن فلسفة الموت: هو عبارة عن قطف لثمار متاعب الإنسان في الحياة الدنيا، ولولا هذه الثمرة اللذيذة -الموت وما بعده من الجزاء الإلهي- لما تحمل المتحملون مشقة العبادة والمجاهدة.. وما يؤكد ذلك، الحديث المعروف: بأن (الدنيا مزرعة الآخرة)، والآخرة مرحلة قطف الثمار من مزرعة الحياة الدنيا.
يتبع...
بارك الله بكم
وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد اهل البيت عليهم السلام
اللهم صل على محمد وال محمد الطيبين الطاهرين الاشراف و عجل فرجهم يا كريم
السلام ليك يا بقية الله في أرضِه
السلام عليكم ورحمة الله وبركات
س1/ ما وجه اختياركم لهذا الموضوع -خصوصاً مع كونه مصدر قلق ورعب عند الكثير من الناس- وهل تعتقدون أن الجهل بالمستقبل، هو منشأ أساسي لهذا الحالة؟..
لا شك بأن تعبير الموت، وما يتعلق به: من المغتسل، والتكفين، والتجهيز.. من المواضيع التي تورث حالة من حالات الخوف والقلق.. حتى أن البعض لا يقصد المقبرة أبداً؛ لأن هذا يذكره بما ينغص لذته!.. والحال بأن الموت هو النهاية الطبيعية، التي سوف نواجهها شئنا أم أبينا.. وقد قال الصادق (ع): (لم يخلق الله عزّ وجلّ يقيناً لا شكّ فيه، أشبه بشكٍ لا يقين فيه من الموت)؛ أي يقين فيه كثير من الشك، إذ أن أغلب الناس تأخذهم الغفلة في هذه الحياة عن الاستعداد للآخرة، فمن ذا الذي لا يخشى ملك الموت، وينظر إليه على أنه رسول الله، جاء لينقله من عالم الضيق والوحشة، إلى عالم رحب فسيح؟!.. وفي روايات أهل البيت (ع) تشبه الحياة والموت بالولادة: حيث الجنين في بطن أمه، يعيش محصوراً في ظلمات ثلاث لمدة محدودة، ثم لا يلبث أن يتحرر ويخرج إلى عالم أرحب.. فالذي ينتقل من هذه النشأة، يتذكر ضيق الدنيا وتفاهتها.. ومع أن القرآن الكريم يعبر عن الدنيا باللهو واللعب، غير أنها مزرعة المستثمرين، الذين يجعلونها وسيلة لا هدفاً بحد ذاته.. فالذي يعتقد بأن الموت هو النهاية، أو هو عبارة عن العدم والفناء؛ لا شك في أنه سيخاف وينفر من الموت.. أما المؤمن؛ فإن الموت بالنسبة له بداية لحياة خالدة، لا تقاس نعيماً بالدنيا وما فيها من المتاع.. ومن هنا قيل:بأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؛ قياساً لما سيواجهه .
ومن الطبيعي أن الإنسان يحب البقاء في المكان الآمن، فهو إذا ما أوشك على سفر إلى بلدة ما، وعلم بأنه مكان مجهول، ومن الممكن أن تكتنفه المخاطر والأعداء؛ فقطعاً سيستنكف عن هذا السفر.. وقد ورد في بعض الروايات -ما مضمونه-: بأن الإنسان عندما يموت ينتقل إلى الآخرة بآخر ما كان مشغولاً به، فالإنسان المتعلق قلبه -مثلا- ببناء منزل، وكل همه وغمه أن ينجزه؛ فإنه عندما يموت، يذهب للآخرة بهذا الهم الذي كان في جوفه.. فإذن، إن الجهل بعواقب الموت، وعدم المعرفة لما سيؤول إليه أمره من بواعث الخوف.
قيل للإمام محمد بن علي الجواد (ع): ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟.. قال: لأنهم جهلوه فكرهوه، ولو عرفوه وكانوا من أولياء الله عزّ وجلّ لأحبّوه، ولعلموا أنّ الآخرة خيرٌ لهم من الدنيا ، ثم قال (ع):
يا أبا عبد الله!.. ما بال الصبي والمجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه والنافي للألم عنه؟.. قال: لجهلهم بنفع الدواء.
قال: والذي بعث محمداً بالحقّ نبياً!.. إنّ مَن استعدّ للموت حقّ الاستعداد، فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج.. أما إنهم لو عرفوا ما يؤدّي إليه الموت من النعيم؛ لاستدعوه وأحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات واجتلاب السلامة.
وسئل الحسن (ع): ما الموت الذي جهلوه؟.. قال: أعظم سرورٍ يرد على المؤمنين، إذا نُقلوا عن دار النكد إلى نعيم الأبد!.. وأعظم ثبورٍ يرد على الكافرين، إذا نُقلوا عن جنّتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد!..
س2/ القرآن الكريم يعبر عن الموت بأنه مخلوق، إذ يقول تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.. فما هي فلسفة الموت في حياة الإنسان، ولماذا قدم الموت على الحياة في الآية الكريمة؟..
طبعاً، إن كلمات القرآن الكريم -الكتاب الخالد- كلمات في أعلى درجات الإتقان، فرب العالمين أحكم الحاكمين، وعندما يستعمل أي كلمة؛ يراعي كل المداليل التي هي مكتنفة لهذا التعبير.
إن الأمر الواضح في عالم الخلق، هو الحياة وما يستتبعها من المظاهر؛ ولكن نلاحظ بأن القرآن الكريم في هذه الآية، يقدم الموت على الحياة.. ولعل السبب هو: كون الموت مرحلة من مراحل حياة الإنسان في الوجود، وأن هذه المرحلة هي الأرقى؛ كونها هي المحصلة والنتيجة النهائية، فمن المعلوم بأن الثمرة تفوق الشجرة؛ أي أن الموت وما بعد الموت، بمثابة قطف الثمار للإنسان.
ثم إن القرآن الكريم في سورة الملك -التي من المعلوم أنها من السور المهمة، ويقال بأنها أسرع السور وصولاً إلى روح الميت، فلا ينبغي إنكار هذه الحقيقة: بأن إهداء الأعمال الصالحة: قولية، وفعلية؛ تحول إلى نور ينفع الميت في قبره، على شكل من الأشكال: فسحة في القبر، أو تخفيفاً للعذاب، أو ما شابه ذلك- ثبّت مبدأ النوعية مقابل الكيفية، فليس المطلوب هو الإكثار من العمل، الذي لا روح فيه ولا روح له، بقدر الإتقان وإحراز الثمرة المرجوة من ذلك العمل.. ورد في الحديث: (ركعتان مقتصدتان في تفكّر، خير من قيام ليلة والقلب ساه).. وعليه، فإننا نقول: لا ينبغي للمؤمن أن يتحسر على قلة العمل -وخصوصاً مع ضيق ذات اليد- فيتمنى بناء مؤسسة خيرية، أو مسجد.. فلا شك بأن الله تعالى يتقبل القليل الخالص لوجهه الكريم، كما تقبل قربان هابيل.
فإذن، إن فلسفة الموت: هو عبارة عن قطف لثمار متاعب الإنسان في الحياة الدنيا، ولولا هذه الثمرة اللذيذة -الموت وما بعده من الجزاء الإلهي- لما تحمل المتحملون مشقة العبادة والمجاهدة.. وما يؤكد ذلك، الحديث المعروف: بأن (الدنيا مزرعة الآخرة)، والآخرة مرحلة قطف الثمار من مزرعة الحياة الدنيا.
يتبع...
بارك الله بكم
وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد اهل البيت عليهم السلام