نور من انوار الله
07-22-2014, 06:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الاشراف وعجل فرجهم يا كريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحلة نحو التكامل الانساني:
التكامل فطرة جُبل عليها الإنسان منذ أن وجد وخلق على هذا الكوكب والسعادة هي الغاية التي يسعى إلى الوصول إليها.
ومن بديهيات الإيمان بالله واليوم الآخر أن أكمل وأتم سعادة للانسان هي في القرب من الله تعالى والوصول إليه جلّت آلاؤه وعظمت نعماؤه ـ لأنّه الكمال المطلق.
القرب من الله هو :الهدف الأسمى التي تم خُلق الإنسان من أجله قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [النجم:42] ، وقال تعالى: (إِنَّ إِلَى ربِّكَ الرُّجْعَى) [العلق:8]. فالله عز وجل غاية ليس بعدها غاية، وهدف ليس بعده أيّ هدف.
هل يستطيع الانسان أن يصل إلى هذا الكمال بنفسه ام بحاجة إلى من يعينه؟؟
والاجابة تتلخص :
إن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يصل إلى هذا الكمال بسبب احتياجه في هذه النشأة إلى مَن يأخذ بيده ليدلّه على غايته المطلوبة والهدف الذي يسعى إليه. من هنا نشأت الحاجة إلى الدين فكان من لطف الله سبحانه أن أرسل إليهم (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] ، الهداة إلى الله سبحانه، والادلاء على مرضاته، ولئلاّ يقول أحد: (رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) [طه:134] . فأخذت شرائع الرسالات تترى على الناس، كلّما استكملت رسالة أهدافها أعقبتها أُخرى أوسع منها وأشمل لتلبية حاجات الأمم ومتطلّباتها.
إذن ؛الفلاح هو المعنى الجامع لكل الكمالات الإنسانية وسبيل الوصول إليه يتلخص في بناء الذات وتزكية النفس فقد أكد سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿قد أفلح من زكاها﴾.
الهدف من تشريع الرسالات:
- لهداية الانسان فهي مقدمة الفلاح والازدهار للطاقات الإنسانية .
تزكية النفس:
وأهم المسائل الأساسية في مجال تزكية النفس هي أن يفكر الانسان ؛؛من أين يبدأ وما هي أسس بناء الذات؟
إن اسس بناء الذات جاء في تأكيد الانبياء
فهم يؤكدون إن العمل الأساسي لبناء الذات والخطوة الأولى على طريقة تزكية النفس هو (التوحيد) وانطلاقاً من هذه الرؤية فقد كان الشعار الأول لجميع الأنبياء هو كلمة (لا إله إلا الله).
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لآإله إلا أنا فاعبدون﴾. [الانبياء :25]
وكان أول خطاب للرسول الاعظم ( صل الله عليه وآله وسلم) إلى الناس: ( يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
ولكن التلفظ بكلمة التوحيد لا تكفي فلابد من استشعار حقيقة التوحيد ( التوحيد الحقيقي)
أدله على بلوغ الانسان حقيقة التوحيد:
وأبرز دليل على بلوغ الإنسان لحقيقة التوحيد بمفهومه الواقعي والكامل استطاعته الشهادة على وحدانية الله تعالى والملائكة والذات الإلهية:
﴿شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَ الْمَلَئكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران:25]
فالإنسان شجرة التوحيد وثمارها ظهور الصفات الإلهية ،كمال الإنسان في الوصول إلى الله تعالى أي أن يكون مظهراً لصفات الحق ومن هنا عليكم بالسعي لإحياء صفات الله فيكم . الله تعالى كريم فكونوا أنتم كرماء أيضاً وهو رحيم فكونوا أنتم رحماء وهو ستار فكونوا أنتم ستارين أيضاً...)
(فمنفعه الانسان تتجلى في التحلي بالصفات الإلهية ولا يوجد شي يؤثر كتآثيرها- حتى الاسم الاعظم.
(إن استغراق الإنسان في التوحيد وسيلته في الوصول إلى العناية الالهية التي لم يكن يحظى بها من قبل وتبقى هذه العناية والرعاية تتجدد له في كل لحظة).
معيار التكامل:
وقد وضع الإسلام معياراً دقيقاً للتكامل الإنساني، يتمّ من خلاله التحقق من وجوده، وقياس درجته وكمّيته، وذلك المعيار هو ((الاقتراب من الله بهدف الوصول إليه ولقائه)). فكلّما يقترب الإنسان من الله، يحقق درجة من الكمال. وكلما ازداد الاقتراب، ازداد الكمال، حتى يتحقق اللقاء بالله، سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) الانشقاق / 6.
ويُسمّي الحديثُ الشريف هذا المعيار بالتشبّه بأخلاق الله، حينما يقول: ((تشبهوا بأخلاق الله))، فتصبح أخلاق الله وصفاته من العدل والعلم والرحمة والقدرة والقوة هي معالم لهذا الكمال الإنساني، ومعايير لقياس درجته.
غير أنّه تجدر الملاحظة أنّ هذه المعايير الربّانية لقياس الكمال الإنساني معايير مطلقة، في حين أنّ الإنسان كائنٌ نسبي. إذن، ماذا ينتج عن قياس حركة النسبي بالمطلق؟
والجواب: إن حركة الكائن النسبي سوف لن تستطيع ((الوصول)) إلى المعيار المطلق بدرجة ((نهائية))، لأن النسبي لا يصل إلى المطلق، ولا يُحيط به، ولا يتجاوزه، فهذه الحركة تستطيع تحقيق الاقتراب النسبي من المطلق. وينتج من هذا، أيضاً، بقاء آفاق الكمال والنماء والتقدّم مفتوحة، دائماً، أمام الإنسان، حيث لا نهايات لها، فنهايتها الحقيقية هي صفات الله، وهذه مطلقة، لا تحدّها نهاية. إذن، فإنّ الكمال الإنساني مشروعٌ مفتوح، وعملٌ مستمر.
(وفوق كل ذي علمٍ عليم). [يوسف :76]
حقيقة الكمال الإنساني:
صفات الله، إذن، هي معيار الكمال الإنساني. ولكن ما هي حقيقته؟
والجواب: إنها التطابق بين واقع الإنسان وأفعاله من جهة، وإرادة الله من جهة أخرى، نهياً، أو أمراً.
إنّ الله وضع صيغة معيّنة لحياة الإنسان، الفردية والاجتماعية، ويريد منه أن يعيش حياته وفقاً لهذه الصيغة منه أن يعيش حياته وفقاً لهذه الصيغة الربّانية، التي تضمن للإنسان كماله وسعادته في الدنيا والآخرة. وتكامل حياة الإنسان هو بناؤها على أساس الصيغة الربّانية، بنحو تتطابق فيه حياة الإنسان مع هذه الصيغة، وتكون تجسيداً بشرياً واجتماعياً لها.
والتطابق بين حياة الإنسان وإرادة الله وتكون تارةً بترك ما نهى الله عنه من المحرّمات والمكروهات. وتكون تارة بالقيام بما أمر الله به الواجبات والمستحبّات. وبالجمع بين هذين المحورين تتكامل أبعاد حياة الإنسان. فليس فيها ما يُغضب الله، من الناحية السلبية، ومن الناحية الإيجابية: نجد فيها ما أراده الله.
وإعمار الكون والمجتمع مشروط، في واقع الأمر، بهذا التطابق بين الفعل الإنساني والإرادة الربّانية. فلا إعمار بدون هذا التطابق. بل العكس، إنّ عدم التطابق يؤدِّي إلى خراب الحياة الإنسانية والكونية، في الدنيا والآخرة.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) إبراهيم / 28.
وإعمار الأرض والمجتمع هو التعبير الآخر عن الاستخلاف الربّاني. فالخلافة، وهي المنصب الربّاني للإنسان في الأرض، تعني إعمار الكون والمجتمع وفقاً للصيغة الربّانية للحياة. وهذه الصيغة هي وحدها القادرة على تحقيق هذا الإعمار.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..) البقرة / 30 – 31.
فالمتبادَر إلى أذهان الملائكة أنّ الإنسان قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنّهم لم يكونوا يعلمون أنّ الله زوّد الإنسان بما يستطيع به إعمار الأرض والحياة، وهو العلم الربّاني، بشرط أن يتحرّك الإنسان ويبني حياته على أساس هذا العلم.
العبادة لله: هدف وطريق:
والتطابق بين أفعال الإنسان وإرادة الله المبيّنة بالعلم الرباني الملقى على الإنسان، هو التعريف الأدقّ لكلمة العبادة، وهو المصطلح الأكثر شيوعاً في القرآن الكريم.
فالعبادة، في حقيقتها وجوهرها، تعني طاعة الله، والانقياد لأوامره، إمّا حُبّاً له، وهذه عبادة الأحرار، أو طمعاً في جنته، وهذه عبادة التجّار، أو خوفاً من ناره، وهذه عبادة العبيد.
ولقد قلنا منذ قليل إنّ التطابق هو حقيقة الكمال، ونقول الآن إنّ العبادة هي التطابق، لنستنتج إن العبادة هي الكمال. وهذا عين الصواب. فلا معنى للكمال الإنساني، ولا حقيقة له، ولا وجود، له بدون العبادة لله سبحانه. فالكمال الإنساني هو عبادة الله. وعبادة الله هي الكمال الإنساني. ونضيف الآن فنقول: إنّ درجة الكمال الإنساني إنما تُقاس بدرجة العبادة التي حقّقها الإنسان. ومن هنا، نفهم مغزى القول بأنّ للإسلام والإيمان مراتب ودرجاتٍ. وهذه المراتب هي عينها مراتب الكمال الإنساني. فبمقدار ما يُحقّق الإنسان من عبودية لله في حياته، يكون كماله الوجودي والحياتي.
إذن: الكمال الإنساني غاية وجود الإنسان، فإنّ العبادة لله الغاية من خلْفه، قال الله تعالى في محكم كتابه:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) الذاريات / 56.
الكمال الانسان في المفهوم القرآني:
وللكمال الإنساني بالمفهوم القرآني طريق واحد أن يسلك الإنسان طريق المطيعين لله. العابدين له. اما الطرق الأخرى البعيدة عن طريق الله ما هي إلا سُبل الشيطان .
الخلاصة؛
إنّ العبادة المطلقة لله هي الهدف، وهي الطريق إلى هذا الهدف
وبإعادة التأمّل بالآية نستطيع الاستيعاب بوضوح أكثر وأكثر قوله تعالى: (اعبدوا ربكم .... لعلكم تتقون)، فكأنّ الآية تقول اعبدوا الله حتى تصلوا إلى درجة التقوى. ولكن أليست التقوى هي الدرجة العالية للعبادة؟ فبالعبادة نصل إلى العبادة. وهذا هو معنى قولنا: العبادة هدف وطريق إليه.
النيّة، المعرفة، العمل:
وحتى تتحرك مسيرة الكمال الإنساني نحو الله سبحانه وتعالى يجب على الإنسان أن يوفّر ثلاثة أمور:
الأمر الأول، إرادة التحرّك والسير نحو الكمال. وهذه هي النيّة. فلابدّ من إرادة صادقة وعزيمة قويّة للسير بنيّة القُربة إلى الله تعالى. وهذا شرط مهم. حيث لا عمل بلا إرادة. ولا قيمة للعمل بلا نية. والفقه الإسلامي، كما هو معروف، يشترط النية لصحة العبادات. وهذه مسألة بالغة الأهمية، لأنّ الأعمال التي ظاهرها ((عبادة)) لا تنفع في تحقيق الكمال الإنساني إذا لم تكن منبثقة من نية العمل لله.
الأمر الثاني، المعرفة، فالسّير المؤدِّي إلى الكمال لابدّ أن يكون مستنداً إلى معرفة صحيحة. وأساساً، لا يوجد عمل بلا معرفةٍ ما. والمعرفة الصحيحة تُنتج عملاً صحيحاً، والعكس يصحّ، وهذا من أوّليات الفكر الإسلامي، التي نجدها في العديد من النصوص، أمثال:
((العامل على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلاّ بُعد)).
((ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة)).
((لا يُقبل عملٌ إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بعمل، ومن عرف دلّتْهُ معرفته على العمل، ومَنْ لم يعرف فلا عمل له)).
الأمر الثالث، العمل. وهو قرين الإيمان والمعرفة، ومصداق النية. بل هو المظهر الملموس للسير نحو الكمال. والكمال الإنساني لا يتحقّق إلا بعمل جامع لشروط الصحة: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر / 1 – 3. وحقيقة العمل، بلحاظ مسيرة التكامل الإنساني، تكمن في وجهين؛ الأول منهما مقاومة القوى والعوامل المعيقة للتكامل والنموّ الإنساني، والوجه الثاني، بناء مظاهر الكمال ومفرداته. وهو عين مجاهدة النفس الموصلة إلى الغاية، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/69.
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الاشراف وعجل فرجهم يا كريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
رحلة نحو التكامل الانساني:
التكامل فطرة جُبل عليها الإنسان منذ أن وجد وخلق على هذا الكوكب والسعادة هي الغاية التي يسعى إلى الوصول إليها.
ومن بديهيات الإيمان بالله واليوم الآخر أن أكمل وأتم سعادة للانسان هي في القرب من الله تعالى والوصول إليه جلّت آلاؤه وعظمت نعماؤه ـ لأنّه الكمال المطلق.
القرب من الله هو :الهدف الأسمى التي تم خُلق الإنسان من أجله قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه: (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) [النجم:42] ، وقال تعالى: (إِنَّ إِلَى ربِّكَ الرُّجْعَى) [العلق:8]. فالله عز وجل غاية ليس بعدها غاية، وهدف ليس بعده أيّ هدف.
هل يستطيع الانسان أن يصل إلى هذا الكمال بنفسه ام بحاجة إلى من يعينه؟؟
والاجابة تتلخص :
إن الإنسان بنفسه لا يستطيع أن يصل إلى هذا الكمال بسبب احتياجه في هذه النشأة إلى مَن يأخذ بيده ليدلّه على غايته المطلوبة والهدف الذي يسعى إليه. من هنا نشأت الحاجة إلى الدين فكان من لطف الله سبحانه أن أرسل إليهم (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء:165] ، الهداة إلى الله سبحانه، والادلاء على مرضاته، ولئلاّ يقول أحد: (رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى) [طه:134] . فأخذت شرائع الرسالات تترى على الناس، كلّما استكملت رسالة أهدافها أعقبتها أُخرى أوسع منها وأشمل لتلبية حاجات الأمم ومتطلّباتها.
إذن ؛الفلاح هو المعنى الجامع لكل الكمالات الإنسانية وسبيل الوصول إليه يتلخص في بناء الذات وتزكية النفس فقد أكد سبحانه وتعالى في محكم كتابه: ﴿قد أفلح من زكاها﴾.
الهدف من تشريع الرسالات:
- لهداية الانسان فهي مقدمة الفلاح والازدهار للطاقات الإنسانية .
تزكية النفس:
وأهم المسائل الأساسية في مجال تزكية النفس هي أن يفكر الانسان ؛؛من أين يبدأ وما هي أسس بناء الذات؟
إن اسس بناء الذات جاء في تأكيد الانبياء
فهم يؤكدون إن العمل الأساسي لبناء الذات والخطوة الأولى على طريقة تزكية النفس هو (التوحيد) وانطلاقاً من هذه الرؤية فقد كان الشعار الأول لجميع الأنبياء هو كلمة (لا إله إلا الله).
﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لآإله إلا أنا فاعبدون﴾. [الانبياء :25]
وكان أول خطاب للرسول الاعظم ( صل الله عليه وآله وسلم) إلى الناس: ( يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
ولكن التلفظ بكلمة التوحيد لا تكفي فلابد من استشعار حقيقة التوحيد ( التوحيد الحقيقي)
أدله على بلوغ الانسان حقيقة التوحيد:
وأبرز دليل على بلوغ الإنسان لحقيقة التوحيد بمفهومه الواقعي والكامل استطاعته الشهادة على وحدانية الله تعالى والملائكة والذات الإلهية:
﴿شهِدَ اللّهُ أَنّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَ الْمَلَئكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ ﴾ [آل عمران:25]
فالإنسان شجرة التوحيد وثمارها ظهور الصفات الإلهية ،كمال الإنسان في الوصول إلى الله تعالى أي أن يكون مظهراً لصفات الحق ومن هنا عليكم بالسعي لإحياء صفات الله فيكم . الله تعالى كريم فكونوا أنتم كرماء أيضاً وهو رحيم فكونوا أنتم رحماء وهو ستار فكونوا أنتم ستارين أيضاً...)
(فمنفعه الانسان تتجلى في التحلي بالصفات الإلهية ولا يوجد شي يؤثر كتآثيرها- حتى الاسم الاعظم.
(إن استغراق الإنسان في التوحيد وسيلته في الوصول إلى العناية الالهية التي لم يكن يحظى بها من قبل وتبقى هذه العناية والرعاية تتجدد له في كل لحظة).
معيار التكامل:
وقد وضع الإسلام معياراً دقيقاً للتكامل الإنساني، يتمّ من خلاله التحقق من وجوده، وقياس درجته وكمّيته، وذلك المعيار هو ((الاقتراب من الله بهدف الوصول إليه ولقائه)). فكلّما يقترب الإنسان من الله، يحقق درجة من الكمال. وكلما ازداد الاقتراب، ازداد الكمال، حتى يتحقق اللقاء بالله، سبحانه وتعالى:
(يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) الانشقاق / 6.
ويُسمّي الحديثُ الشريف هذا المعيار بالتشبّه بأخلاق الله، حينما يقول: ((تشبهوا بأخلاق الله))، فتصبح أخلاق الله وصفاته من العدل والعلم والرحمة والقدرة والقوة هي معالم لهذا الكمال الإنساني، ومعايير لقياس درجته.
غير أنّه تجدر الملاحظة أنّ هذه المعايير الربّانية لقياس الكمال الإنساني معايير مطلقة، في حين أنّ الإنسان كائنٌ نسبي. إذن، ماذا ينتج عن قياس حركة النسبي بالمطلق؟
والجواب: إن حركة الكائن النسبي سوف لن تستطيع ((الوصول)) إلى المعيار المطلق بدرجة ((نهائية))، لأن النسبي لا يصل إلى المطلق، ولا يُحيط به، ولا يتجاوزه، فهذه الحركة تستطيع تحقيق الاقتراب النسبي من المطلق. وينتج من هذا، أيضاً، بقاء آفاق الكمال والنماء والتقدّم مفتوحة، دائماً، أمام الإنسان، حيث لا نهايات لها، فنهايتها الحقيقية هي صفات الله، وهذه مطلقة، لا تحدّها نهاية. إذن، فإنّ الكمال الإنساني مشروعٌ مفتوح، وعملٌ مستمر.
(وفوق كل ذي علمٍ عليم). [يوسف :76]
حقيقة الكمال الإنساني:
صفات الله، إذن، هي معيار الكمال الإنساني. ولكن ما هي حقيقته؟
والجواب: إنها التطابق بين واقع الإنسان وأفعاله من جهة، وإرادة الله من جهة أخرى، نهياً، أو أمراً.
إنّ الله وضع صيغة معيّنة لحياة الإنسان، الفردية والاجتماعية، ويريد منه أن يعيش حياته وفقاً لهذه الصيغة منه أن يعيش حياته وفقاً لهذه الصيغة الربّانية، التي تضمن للإنسان كماله وسعادته في الدنيا والآخرة. وتكامل حياة الإنسان هو بناؤها على أساس الصيغة الربّانية، بنحو تتطابق فيه حياة الإنسان مع هذه الصيغة، وتكون تجسيداً بشرياً واجتماعياً لها.
والتطابق بين حياة الإنسان وإرادة الله وتكون تارةً بترك ما نهى الله عنه من المحرّمات والمكروهات. وتكون تارة بالقيام بما أمر الله به الواجبات والمستحبّات. وبالجمع بين هذين المحورين تتكامل أبعاد حياة الإنسان. فليس فيها ما يُغضب الله، من الناحية السلبية، ومن الناحية الإيجابية: نجد فيها ما أراده الله.
وإعمار الكون والمجتمع مشروط، في واقع الأمر، بهذا التطابق بين الفعل الإنساني والإرادة الربّانية. فلا إعمار بدون هذا التطابق. بل العكس، إنّ عدم التطابق يؤدِّي إلى خراب الحياة الإنسانية والكونية، في الدنيا والآخرة.
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) إبراهيم / 28.
وإعمار الأرض والمجتمع هو التعبير الآخر عن الاستخلاف الربّاني. فالخلافة، وهي المنصب الربّاني للإنسان في الأرض، تعني إعمار الكون والمجتمع وفقاً للصيغة الربّانية للحياة. وهذه الصيغة هي وحدها القادرة على تحقيق هذا الإعمار.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء، وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا..) البقرة / 30 – 31.
فالمتبادَر إلى أذهان الملائكة أنّ الإنسان قد يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنّهم لم يكونوا يعلمون أنّ الله زوّد الإنسان بما يستطيع به إعمار الأرض والحياة، وهو العلم الربّاني، بشرط أن يتحرّك الإنسان ويبني حياته على أساس هذا العلم.
العبادة لله: هدف وطريق:
والتطابق بين أفعال الإنسان وإرادة الله المبيّنة بالعلم الرباني الملقى على الإنسان، هو التعريف الأدقّ لكلمة العبادة، وهو المصطلح الأكثر شيوعاً في القرآن الكريم.
فالعبادة، في حقيقتها وجوهرها، تعني طاعة الله، والانقياد لأوامره، إمّا حُبّاً له، وهذه عبادة الأحرار، أو طمعاً في جنته، وهذه عبادة التجّار، أو خوفاً من ناره، وهذه عبادة العبيد.
ولقد قلنا منذ قليل إنّ التطابق هو حقيقة الكمال، ونقول الآن إنّ العبادة هي التطابق، لنستنتج إن العبادة هي الكمال. وهذا عين الصواب. فلا معنى للكمال الإنساني، ولا حقيقة له، ولا وجود، له بدون العبادة لله سبحانه. فالكمال الإنساني هو عبادة الله. وعبادة الله هي الكمال الإنساني. ونضيف الآن فنقول: إنّ درجة الكمال الإنساني إنما تُقاس بدرجة العبادة التي حقّقها الإنسان. ومن هنا، نفهم مغزى القول بأنّ للإسلام والإيمان مراتب ودرجاتٍ. وهذه المراتب هي عينها مراتب الكمال الإنساني. فبمقدار ما يُحقّق الإنسان من عبودية لله في حياته، يكون كماله الوجودي والحياتي.
إذن: الكمال الإنساني غاية وجود الإنسان، فإنّ العبادة لله الغاية من خلْفه، قال الله تعالى في محكم كتابه:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) الذاريات / 56.
الكمال الانسان في المفهوم القرآني:
وللكمال الإنساني بالمفهوم القرآني طريق واحد أن يسلك الإنسان طريق المطيعين لله. العابدين له. اما الطرق الأخرى البعيدة عن طريق الله ما هي إلا سُبل الشيطان .
الخلاصة؛
إنّ العبادة المطلقة لله هي الهدف، وهي الطريق إلى هذا الهدف
وبإعادة التأمّل بالآية نستطيع الاستيعاب بوضوح أكثر وأكثر قوله تعالى: (اعبدوا ربكم .... لعلكم تتقون)، فكأنّ الآية تقول اعبدوا الله حتى تصلوا إلى درجة التقوى. ولكن أليست التقوى هي الدرجة العالية للعبادة؟ فبالعبادة نصل إلى العبادة. وهذا هو معنى قولنا: العبادة هدف وطريق إليه.
النيّة، المعرفة، العمل:
وحتى تتحرك مسيرة الكمال الإنساني نحو الله سبحانه وتعالى يجب على الإنسان أن يوفّر ثلاثة أمور:
الأمر الأول، إرادة التحرّك والسير نحو الكمال. وهذه هي النيّة. فلابدّ من إرادة صادقة وعزيمة قويّة للسير بنيّة القُربة إلى الله تعالى. وهذا شرط مهم. حيث لا عمل بلا إرادة. ولا قيمة للعمل بلا نية. والفقه الإسلامي، كما هو معروف، يشترط النية لصحة العبادات. وهذه مسألة بالغة الأهمية، لأنّ الأعمال التي ظاهرها ((عبادة)) لا تنفع في تحقيق الكمال الإنساني إذا لم تكن منبثقة من نية العمل لله.
الأمر الثاني، المعرفة، فالسّير المؤدِّي إلى الكمال لابدّ أن يكون مستنداً إلى معرفة صحيحة. وأساساً، لا يوجد عمل بلا معرفةٍ ما. والمعرفة الصحيحة تُنتج عملاً صحيحاً، والعكس يصحّ، وهذا من أوّليات الفكر الإسلامي، التي نجدها في العديد من النصوص، أمثال:
((العامل على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلاّ بُعد)).
((ما من حركة إلاّ وأنت محتاج فيها إلى معرفة)).
((لا يُقبل عملٌ إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بعمل، ومن عرف دلّتْهُ معرفته على العمل، ومَنْ لم يعرف فلا عمل له)).
الأمر الثالث، العمل. وهو قرين الإيمان والمعرفة، ومصداق النية. بل هو المظهر الملموس للسير نحو الكمال. والكمال الإنساني لا يتحقّق إلا بعمل جامع لشروط الصحة: (وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) العصر / 1 – 3. وحقيقة العمل، بلحاظ مسيرة التكامل الإنساني، تكمن في وجهين؛ الأول منهما مقاومة القوى والعوامل المعيقة للتكامل والنموّ الإنساني، والوجه الثاني، بناء مظاهر الكمال ومفرداته. وهو عين مجاهدة النفس الموصلة إلى الغاية، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) العنكبوت/69.