المهدي طاووس أهل الجنة
11-29-2014, 02:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الوساوس ان كانت بواعث الشرور و المعاصي، فالعلاج في دفعها ان يتذكر سوء عاقبة العصيان و وخامة خاتمته في الدنيا و الآخرة، و يتذكر عظيم حق الله و جسيم ثوابه و عقابه، و يتذكر ان الصبر عما تدعو اليه هذه الوساوس اسهل من الصبر على نار لو قذف شرارة منها الى الارض احرقت نبتها و جمادها فاذا تذكر هذه الامور و عرف حقيقتها بنور المعرفة و الايمان، حبس عنه الشيطان و قطع عنه وسواسه، اذ لا يمكن ان ينكر عليه هذه الامور الحقة، اذ يقينه الحاصل من قواطع البرهان يمنعه عن ذلك و يخيبه، بحيث يرجع هاربا خائبا. فان التهاب نيران (1) البراهين بمنزلة رجوم الشياطين، فاذا قوبلتبها وساوسهم فرت فرار الحمر من الاسد.
و ان كانت مختلجة بالبال بلا ارادة و اختيار، من دون ان تكون مبادىء الافعال، فقطعها بالكلية في غاية الصعوبة و الاشكال، و قد اعترف اطباء النفوس بانها الداء العضال و يتعسر دفعه بالمرة، و ربما قيل بتعذره، و لكن الحق امكانه، لقول النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-: «من صلى ركعتين لم تتحدث نفسه فيهما بشىء غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تاخر» ، و لو لا امكانه لم يتصور ذلك.
و السر في صعوبة قطعها بالكلية ان للشيطان جندين: جندا يطير و جندا يسير، و الواهمة جنده الطيار، و الشهوة جنده السيار، لان غالب ما خلقتا منه هي النار التي خلق منها الشيطان، فالمناسبة اقتضت تسلطه عليهما و تبعيتهما له.
ثم لما كانت النار بذاتها مقتضية للحركة، اذ لا تتصور نار مشتعلة لا تتحرك، بل لا تزال تتحرك بطبعها، فشان كل من الشيطان و القوتين ان يتحرك و لا يسكن، الا ان الشيطان لما خلق من النار الصرفة من دون امتزاج شيء آخر بها فهو دائم الحركة و التحريك للقوتين بالوسوسة و الهيجان، و القوتان لما امتزج بغالب مادتهما-اعني النار-شىء من الطين لم تكونا بمثابة ما خلق من صرف النار في الحركة، الا انهما استعدتا لقبول الحركة منه، فلا يزال الشيطان ينفخ فيهما و يحركهما بالوسوسة و الهيجان و يطير و يجول فيهما ثم الشهوة لكون النارية فيها اقل فسكونها ممكن، فيحتمل ان يكف تسلط الشيطان عن الانسان فيها، فيسكن بالكلية عن الهيجان. و اما الواهمة فلا يمكن ان يقطع تسلطه عنها، فيمتنع قطع وسوساه عن الانسان، اذ لو امكن قطعه ايضا بالمرة، لصار اللعين منقادا للانسان مسخرا له، و انقياده له هو سجوده له، اذ روح السجود و حقيقته هو الانقياد و الاطاعة، و وضع الجبهة حالته و علامته، و كيف يتصور ان يسجد الملعون لاولاد آدم عليه السلام مع عدم سجوده لابيهم و استكباره من ان يطمئن عن حركته ساجدا له معللا بقوله: «خلقتنى من نار و خلقته من طين» (2)
فلا يمكن ان يتواضع لهم بالكف عن الوسوسة، بل هو من المنظرين لاغوائهم الى يوم الدين، فلا يتخلص منه احد الا من اصبح و همومه هم واحد فيكون قلبه مشتغلا بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالا فيه، و مثله من المخلصين الداخلين في الاستثناء (3) عن سلطنة هذا اللعين، فلا تظنن انه يخلو عنه قلب فارغ، بل هو سيال يجرى من ابن آدم مجرى الدم، و سيلانه مثل الهواء في القدح، فانك ان اردت ان تخلى القدح عن الهواء من غير ان تشغله بمثل الماء فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يدخل فيه الماء يخلو عن الهواء، فكذلك القلب اذا كان مشغولا بفكر مهم في الدين يمكن ان يخلو من جولان هذا اللعين، و اما لو غفل عن الله و لو في لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين الا الشيطان، كما قال سبحانه:
«و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» (4) .
وروي عن رسول الله-صلى الله عليه و آله و سلم-: «ان الله يبغض الشاب الفارغ» ، لان الشاب اذا تعطل عن عمل مباح يشغل باطنه لا بد ان يدخل في قلبه الشيطان و يعيش فيه و يبيض و يفرخ، و هكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا اسرع من توالد الحيوانات، لان الشيطان طبعه من النار، و الشهوة في نفس الشاب كالحلفاء (5) اليابسة، فاذا وجدها كثرة تولده و تولدت النار من النار و لم تنقطع اصلا.
فظهر ان وسواس الخناس لا يزال يجاذب قلب كل انسان من جانب الى جانب، و لا علاج له الا قطع العلائق كلها ظاهرا و باطنا، و الفرار عن الاهل و المال و الولد و الجاه و الرفقاء، ثم الاعتزال الى زاوية، و جعل الهموم هما واحدا هو الله. و هذا ايضا غير كاف ما لم يكن له مجال في الفكر و سير في الباطن في ملكوت السماوات و الارض و عجائب صنع الله، فان استيلاء ذلك على القلب و اشتغاله به يدفع مجاذبة الشيطان و وسواسه، و ان لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه الا الاوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة من الصلوات و الاذكار و الادعية و القراءة.
و يحتاج مع ذلك الى تكليف القلب الحضور، اذ الاوراد الظاهرة لا تستغرق القلب، بل التفكر بالباطن هو الذى يستغرقه و اذا فعل كل ذلك لم يسلم له من الاوقات الا بعضها، اذ لا يخلو في بعضها عن حوادث تتجدد و تشغله عن الفكر و الذكر، كمرض او خوف او ايذاء و طغيان، و لو من مخالطة بعض لا يستغنى عنه في الاستعانة في بعض اسباب المعيشة.
.............................................
1) و في نسختنا الخطية هكذا: «فان نيرات البراهين» .
2) الاعراف، الآية: 12.
3) اشارة الى قوله تعالى: «قال رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض و لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين» الحجر الآية: 40.
4) الزخرف، الآية 35.
5) الحلفاء: نبت اطرافه محددة كانها سعف النخل و الخوص، ينبت في مغايض المياه. الواحدة (حلفة و حلفاء) .
مقتطفات من كتاب جامع السعادات للنراقي ج1
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجل فرجهم ياكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الوساوس ان كانت بواعث الشرور و المعاصي، فالعلاج في دفعها ان يتذكر سوء عاقبة العصيان و وخامة خاتمته في الدنيا و الآخرة، و يتذكر عظيم حق الله و جسيم ثوابه و عقابه، و يتذكر ان الصبر عما تدعو اليه هذه الوساوس اسهل من الصبر على نار لو قذف شرارة منها الى الارض احرقت نبتها و جمادها فاذا تذكر هذه الامور و عرف حقيقتها بنور المعرفة و الايمان، حبس عنه الشيطان و قطع عنه وسواسه، اذ لا يمكن ان ينكر عليه هذه الامور الحقة، اذ يقينه الحاصل من قواطع البرهان يمنعه عن ذلك و يخيبه، بحيث يرجع هاربا خائبا. فان التهاب نيران (1) البراهين بمنزلة رجوم الشياطين، فاذا قوبلتبها وساوسهم فرت فرار الحمر من الاسد.
و ان كانت مختلجة بالبال بلا ارادة و اختيار، من دون ان تكون مبادىء الافعال، فقطعها بالكلية في غاية الصعوبة و الاشكال، و قد اعترف اطباء النفوس بانها الداء العضال و يتعسر دفعه بالمرة، و ربما قيل بتعذره، و لكن الحق امكانه، لقول النبي-صلى الله عليه و آله و سلم-: «من صلى ركعتين لم تتحدث نفسه فيهما بشىء غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تاخر» ، و لو لا امكانه لم يتصور ذلك.
و السر في صعوبة قطعها بالكلية ان للشيطان جندين: جندا يطير و جندا يسير، و الواهمة جنده الطيار، و الشهوة جنده السيار، لان غالب ما خلقتا منه هي النار التي خلق منها الشيطان، فالمناسبة اقتضت تسلطه عليهما و تبعيتهما له.
ثم لما كانت النار بذاتها مقتضية للحركة، اذ لا تتصور نار مشتعلة لا تتحرك، بل لا تزال تتحرك بطبعها، فشان كل من الشيطان و القوتين ان يتحرك و لا يسكن، الا ان الشيطان لما خلق من النار الصرفة من دون امتزاج شيء آخر بها فهو دائم الحركة و التحريك للقوتين بالوسوسة و الهيجان، و القوتان لما امتزج بغالب مادتهما-اعني النار-شىء من الطين لم تكونا بمثابة ما خلق من صرف النار في الحركة، الا انهما استعدتا لقبول الحركة منه، فلا يزال الشيطان ينفخ فيهما و يحركهما بالوسوسة و الهيجان و يطير و يجول فيهما ثم الشهوة لكون النارية فيها اقل فسكونها ممكن، فيحتمل ان يكف تسلط الشيطان عن الانسان فيها، فيسكن بالكلية عن الهيجان. و اما الواهمة فلا يمكن ان يقطع تسلطه عنها، فيمتنع قطع وسوساه عن الانسان، اذ لو امكن قطعه ايضا بالمرة، لصار اللعين منقادا للانسان مسخرا له، و انقياده له هو سجوده له، اذ روح السجود و حقيقته هو الانقياد و الاطاعة، و وضع الجبهة حالته و علامته، و كيف يتصور ان يسجد الملعون لاولاد آدم عليه السلام مع عدم سجوده لابيهم و استكباره من ان يطمئن عن حركته ساجدا له معللا بقوله: «خلقتنى من نار و خلقته من طين» (2)
فلا يمكن ان يتواضع لهم بالكف عن الوسوسة، بل هو من المنظرين لاغوائهم الى يوم الدين، فلا يتخلص منه احد الا من اصبح و همومه هم واحد فيكون قلبه مشتغلا بالله وحده، فلا يجد الملعون مجالا فيه، و مثله من المخلصين الداخلين في الاستثناء (3) عن سلطنة هذا اللعين، فلا تظنن انه يخلو عنه قلب فارغ، بل هو سيال يجرى من ابن آدم مجرى الدم، و سيلانه مثل الهواء في القدح، فانك ان اردت ان تخلى القدح عن الهواء من غير ان تشغله بمثل الماء فقد طمعت في غير مطمع، بل بقدر ما يدخل فيه الماء يخلو عن الهواء، فكذلك القلب اذا كان مشغولا بفكر مهم في الدين يمكن ان يخلو من جولان هذا اللعين، و اما لو غفل عن الله و لو في لحظة، فليس له في تلك اللحظة قرين الا الشيطان، كما قال سبحانه:
«و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين» (4) .
وروي عن رسول الله-صلى الله عليه و آله و سلم-: «ان الله يبغض الشاب الفارغ» ، لان الشاب اذا تعطل عن عمل مباح يشغل باطنه لا بد ان يدخل في قلبه الشيطان و يعيش فيه و يبيض و يفرخ، و هكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا اسرع من توالد الحيوانات، لان الشيطان طبعه من النار، و الشهوة في نفس الشاب كالحلفاء (5) اليابسة، فاذا وجدها كثرة تولده و تولدت النار من النار و لم تنقطع اصلا.
فظهر ان وسواس الخناس لا يزال يجاذب قلب كل انسان من جانب الى جانب، و لا علاج له الا قطع العلائق كلها ظاهرا و باطنا، و الفرار عن الاهل و المال و الولد و الجاه و الرفقاء، ثم الاعتزال الى زاوية، و جعل الهموم هما واحدا هو الله. و هذا ايضا غير كاف ما لم يكن له مجال في الفكر و سير في الباطن في ملكوت السماوات و الارض و عجائب صنع الله، فان استيلاء ذلك على القلب و اشتغاله به يدفع مجاذبة الشيطان و وسواسه، و ان لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه الا الاوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة من الصلوات و الاذكار و الادعية و القراءة.
و يحتاج مع ذلك الى تكليف القلب الحضور، اذ الاوراد الظاهرة لا تستغرق القلب، بل التفكر بالباطن هو الذى يستغرقه و اذا فعل كل ذلك لم يسلم له من الاوقات الا بعضها، اذ لا يخلو في بعضها عن حوادث تتجدد و تشغله عن الفكر و الذكر، كمرض او خوف او ايذاء و طغيان، و لو من مخالطة بعض لا يستغنى عنه في الاستعانة في بعض اسباب المعيشة.
.............................................
1) و في نسختنا الخطية هكذا: «فان نيرات البراهين» .
2) الاعراف، الآية: 12.
3) اشارة الى قوله تعالى: «قال رب بما اغويتني لازينن لهم في الارض و لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين» الحجر الآية: 40.
4) الزخرف، الآية 35.
5) الحلفاء: نبت اطرافه محددة كانها سعف النخل و الخوص، ينبت في مغايض المياه. الواحدة (حلفة و حلفاء) .
مقتطفات من كتاب جامع السعادات للنراقي ج1