المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور الحجّ في صفة التواضع


روح علي (ع)
12-09-2014, 06:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجّل فرجهم يا كريم
السلام عليك سيدي ومولاي يا بقية الله في أرضه ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من جملة الدروس التي نستلهمها من الدورة التروبية من الله عز وجل للإنسان، درس رائع في التواضع وانفتاح ذوي الامتيازات الاجتماعية المادية أو المعنوية ـ على إخوانهم في المبدأ والرسالة الذين شاءت لهم الحكمة الإلهية أن يكونوا بمستوى أدنى في الميزان المادي الدنيوي من أجل أن يتم نظام الحياة وتنتظم أمور الأحياء وقد أشار الله سبحانه إلى الحكمة في تفاوت الطبقات وتنوع الرغبات بقوله عزوجل :
( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ )(1).

واستلهام الناسك بالحج أو العمرة ـ درس التواضع ـ يكون من خلال شعوره وإحساسه ـ حال تجرده من ملابسه المخيطة وسائر الخصوصيات المميزة ـ بأنه في هذه الحال لا يوجد له أي فارق مميز سوى ما يحمله في قلبه من المبدأ الحق وما تتجمل به نفسه من الخلق الرفيع وما يُجسده سلوكه الخارجي من التقوى والعمل الصالح باعتبار أن هذه المعاني الكبيرة والمثل الرفيعة هي التي اعتبرها الإسلام ميزاناً للتفاضل بين أفراد المجتمع على ضوء قوله تعالى :
( إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2).

وقوله تعالى :
( وَالعَصْرِ * إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ )(3).

وعلى ضوء قول الرسول الأعظم صلى‌ الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم :
( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) وقوله صلى‌ الله‌عليه‌ وآله‌ وسلم ما مضمونه : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم حيث يُفهم من الحديث الأول أن الرسالات السماويةَ تُمثل بجوهرها وروحها مكارم الأخلاق وحيث أن الرسالة المحمدية جاءت خاتمة لها ومتممة لتشريعها بإضافة ما تقتضيه العصور الجديدة والأوضاع الطارئة ـ فلا تكون متممةً للشرائع السابقة إلا إذا كانت مكارم الأخلاق عنوانها العام وقلبها النابض بالمثل السامية والقيم الرفيعة وكذلك الفرد المسلم لا يكون انتماؤه إليها واقعياً ومستمداً بهذا الانتماء الرفعة الحقيقية إلا إذا تجمل بعنوانها المشرق وحمل في قلبه قلبها الخافق الذي يعطيه الحياة الإنسانية السامية والحركة المستقيمة في طريق الهدى والنور.

وإلى هذا المعنى المشرق أشار الشاعر الحكيم بقوله :
وإنما الأمم الأخلاقُ ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبـوا

وذلك لأن إنسانية الإنسان لا تكون إلا بالالتزام بمنهج السماء عقيدة وسلوكاً فإذا كانت عقيدته صحيحة وأعماله صالحة وأخلاقه فاضلة كانت إنسانيته كاملة صورة ومعنى.

وإذا تجرد من ذلك يفقد جوهر إنسانيته ولم يبق له منها سوى الشكل والصورة التي تعكس الجانب المادي الحيواني من كَيانه.

ومن المعلوم أن الإنسان إنما كان له وجوده المعنوي ووزنه المعتبر في ميزان القيم بالجانب المعنوي السامي المتمثل بقلبه السليم وروحه الطاهرة ونفسه المطمئنة التي استحقت التكريم الإلهي بتقديم دعوى تكريمية سماوية لها لترجع إلى مصدر وجودها ومنبع خيرها وهو الله سبحانه ـ لتنال في جواره ما وعدها به من النعيم الخالد والسعادة الأبدية إذا قدمت له ثمن ذلك وهو التقوى والعمل الصالح.

وقد تمثلت تلك الدعوة التكريمية بقوله تعالى :
( يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (4).

وإلى ما ذكرناه أشار الشاعر بقوله :
أقبلْ على النفس واستكمل فضائلها * فأنت بالنفـس لا بالجسم إنسـان

وحيث أن التواضع من أبرز الصفات النبيلة التي تعطي لصاحبها الرفعة الحقيقية والمنزلة السامية عند الخالق والمخلوق فقد ورد مدحه ومدح المتجملين به في العديد من الآيات الكريمة والروايات المشهورة من الأولى قوله تعالى مخاطباً رسوله الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :
( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) (5).

وقوله سبحانه :
( وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً ) (6).

ومن الثانية أي من الروايات ما روي عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله :
إن أحبكم إليَّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً واشدكم تواضعاً ـ وإن أبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون وهم المتكبرون (7).

وما روي عن الإمام علي عليه‌السلام من قوله :
ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلباً لما عند الله وأحسنُ منه تيه الفقراء اتكالاً على الله ) (8).

وما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام من قوله : إن في السماء ملكين موكلين بالعباد فمن تواضع لله رفعاه ومن تكبر وضعاه (9).

وقال أبو العلاء المعري في مدح التواضع والمتواضعين :
يا واليَ الـ********* لا تظلمنْ
فكم جاء مثلك ثم انصرف
تواضع إذا ما رُزقت العلى
فذلك مــما يزيد الشرف

وكما ورد مدح الله سبحانه في كتابه والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سنته وأهل البيت عليهم‌السلام في توجيهاتهم ـ التواضع والمتواضعين ـ فقد ورد ذم التكبر والمتكبرين في ذلك كله.

فمن الكتاب الكريم قوله تعالى :
( لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُستَكبِرينَ ) (10).

وقوله تعالى :
( وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (11).

وروي عن الإمام الصادق عليه‌السلام عن آبائه عليهم‌السلام ما حاصله :
مر رسول الله على جماعة فقال على مَ اجتمعتم؟ فقالوا يا رسول الله هذا مجنون يُصرع فاجتمعنا عليه فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هذا ليس بمجنون ولكنه المبتلى ثم قال : ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون؟
قالوا : بلى يا رسول الله قال : المتبختر في مشيه الناظر في عطفيه المحرك جنبيه بمنكبيه يتمنى على الله جنته وهو يعصيه الذي لا يُؤمن شرُّه ولا يُرجى خيرُه فذاك هو المجنون وهذا المبتلى)(12).

وقال الشاعر في مدح التواضع وذم التكبر :
تواضع تكن كالنجم لاح الناظر
على صفـحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنــفسه
إلى طبقات الجـو وهو وضيـع

وقال آخر في مدح الأول وذم الثاني :
ملأى السنابل تنحني بتواضع
والفارغات رؤسهن شوامخ

وقال الإمام علي عليه‌السلام من خطبة له في نهج البلاغة : فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد وكان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يُدرى أمِن سني الدنيا أم من سني الآخرة.

وحيث أن سيرة أهل البيت عليهم‌السلام ابتداء بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وانتهاء بالإمام المهدي (عج) كانت تجسيداً حياً لكل ما في الإسلام من القيم الرفيعة وفي طليعتها التواضع فقد حدثنا التاريخ عن بلوغ كل واحد منهم الذروة في التجمل بمكارم الأخلاق وخصوصاً التواضع ولذلك كان لدعوتهم الناس للاتصاف بها الأثر البليغ بسبب اقترانها بالعمل والممارسة فكانوا داعين إلى ذلك بالسيرة والتطبيق العملي.

وحيث أن كل فضيلة هي حد وسط بين رذيلتي الإفراط والتفريط فلابد من لفت النظر والتنبيه على سلوك نهج الاعتدال في مقام الاتصاف بفضيلة التواضع حتى لا يتجاوز المتواضع الحد الوسط المناسب الذي يحفظ له عزته وكرامته ولا يؤدي به الإفراط في التواضع إلى درجة إذلال النفس وتحطيم عزتها.

ولذلك وردت روايات عن أهل البيت عليهم‌السلام تنهى عن إذلال المؤمن نفسه كما وردت روايات عديدة ناهية عن الكبر.

من جملة ما ورد للنهي عن الأول ما روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام من قوله : ما حاصله : أن الله فوض لعبده المؤمن كل شيء ولم يفوض إليه أن يذل نفسه .



المصادر:
(1) سورة الزخرف ، الآية : 32.
(2) سورة الحجرات ، الآية : 13.
(3) سورة العصر ، الآيات : 1 و2 و 3.
(4) سورة الفجر ، الآيات : 27 و28 و29 و30.
(5) سورة الشعراء ، الآية : 215.
(6) سورة الفرقان ، الآية : 63.
(7) عن كتاب أخلاق أهل البيت عليهم‌السلام ص 44.
(8) من نفس المصدر السابق ص44.
(9) عن كتاب أخلاق أهل البيت ص 44.
(10) سورة النحل ، الآية : 23.
(11) سورة لقمان ، الآية : 18.
(12) عن كتاب أخلاق أهل البيت للسيد مهدي الصدر ، ص 44.


** فلسفة الحج في الاسلام - للشيخ حسن طراد **



وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد أهل البيت عليهم السلام

alzynabwly
04-10-2021, 03:09 PM
الله بحفظكم بحق محمد وال محمد