المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحكمة من تشريع وجوب الرمي والذبح والحلق أو التقصير يوم العاشر


روح علي (ع)
02-15-2015, 03:30 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجّل فرجهم يا كريم
السلام عليك سيدي ومولاي يا بقية الله في أرضه ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحكمة من تشريع وجوب الرمي والذبح والحلق
أو التقصير يوم العاشر من ذي الحجة



وهناك حكمة اُخرى وراء تشريع وجوب الذبح وتقديم الهدي على المتمتع في حجه ـ أي على من وجب عليه حج التمتع في اليوم العاشر من ذي الحجة وفي منى.

وهي أي حكمة وجوب تقديم الهدي ـ إطعام الفقراء من لحمه فيكون ذلك وسيلة من وسائل تفقدهم بالبر ومد يد الإحسان إليهم بتقديم ذلك لهم ـ وكان يستفاد سابقاً من تقديم هذا الشعار ـ أي الهدي بأكل الفقراء حالاً من لحمه ـ كما كانوا يجففونه ليستفيدوا منه في مستقبل أيامهم والملحوظ أن هذه الحكمة جمدت وتلك الفائدة فقدت بالنسبة إلى الفقراء من زاوية هذا الشعار ـ أي تقديم الهدي حيث لا يستفيد منه الفقراء معجلاً ولا مؤجلاً بل تحرق الذبائح أو تدفن ليذهب لحمها هدراً. وهنا ننبه إلى أمرين :

أحدهما : يتعلق بتشريع وجوب تقديم الهدي على كل متمتع في حجه ـ حتى وإن لم يترتب أي نفع للفقراء من لحمه ـ وعلى هذا فتاوى المشهور من علمائنا الأجلاء ـ وذلك لإطلاق دليل الوجوب وعدم تقييده بترتب تلك الفائدة عليه فعلاً ، مضافاً إلى أن العبادات وما يتعلق بها من أجزاء وشروط يطغى على إيجابها الجانب التعبدي الذي لا يُربط بحكمة صريحة وفائدة محددة ـ من أجل تقوية روح العبودية والانقياد في نفس المكلف فيقدم على امتثال الأمر بالعمل لمجرد صدور الأمر به وإن لم يعرف وجه الحكمة في تشريع وجوبه.
الأمر الثاني : الجدير بالتنبيه عليه هو ضرورة اهتمام أولي الأمر في المملكة السعودية بحفظ هذه الثروة الطائلة عن طريق تعليبها وتوزيعها على الفقراء في البلد وخارجه وما أكثرهم في هذه الأيام ولا يوجد في ذلك أي إشكال وإنّما الإشكال والاستشكال في إهماله لكونه من مصاديق التبذير المنهي عنه شرعاً.

ورمي جمرة العقبة صباح يوم عيد الأضحى في منى هو الواجب الأول على الحاج في هذا اليوم وبعده يجب عليه تقديم الهدي وبعده يقوم بالواجب الثالث (1) على الترتيب المذكور ويجب عليه رمي الجمرات الثلاث في يومي الحادي عشر والثالث عشر على التفصيل المذكور في محله من كتب المناسك.

وقد اختلفت الكلمات المبينة لسبب تشريع الرمي وجعله شعاراً واجباً في الحج فالمستفاد من بعضها أن الرمي في بدايته حصل من إسماعيل عندما تصدى الشيطان له ليمنعه ويصرفه عن امتثال أمر ربه بتقديم نفسه قرباناً لله تعالى وكان تصديه له في ثلاثة مواضع وفي كل واحد منها كان إسماعيل يطرده عنه ويرميه بسبع حصيات.

والمستفاد من كلام البعض الآخر أن الحادثة حصلت مع النبي ابراهيم من أجل أن يصده الشيطان عن امتثال أمر ربه بذبح ولده قربة وقرباناً لله تعالى وكان ذلك منه في ثلاثة مواضع وكان إبراهيم يرميه في كل موضع منها بسبع حصيات.

كما يفهم من كلام ثالث أن الحادثة حصلت مع الثلاثة النبي إبراهيم وولده اسماعيل وزوجه أم إسماعيل هاجر من أجل أن يصد الوالد عن تقديم ولده والولد عن تقديم نفسه والأم عن الرضا وموافقة إبراهيم على ذبح ولدهما لتقف حائلاً بين الوالد وما أقدم عليه من ذبح الولد.

ولا يبعد أن يكون الكلام الثالث أقرب لأن عملية الذبح مرتبطة بالثلاثة بالولد مباشرة وبالوالدين بطريق غير مباشر.

وقد شاء الله تعالى أن يجعل من كل واحد من هؤلاء الثلاثة قدوة مثلى لكل المؤمنين في التاريخ في كل عمل مطلوب لله سبحانه ويكون القيام به صعباً وشاقاً.

فالأب هو الشيخ الكبير يكون قدوة لكل الأباء والأم المرأة العطوف تكون قدوة لكل الأمهات في التسليم لأمر الله والرضا بقضائه.

وكذلك الابن الغلام يكون قدوة حسنة لكل فتى مقارب له في العمر وتقتضي المصلحة أن يقتحم ميدان الجهاد الأكبر والأصغر في سبيل تحقيق ما يريد الله تحقيقه من الأهداف السامية والغايات الرفيعة التي يتوقف على تحقيقها رضا الله تعالى ونفع الأمة وتطبيق أحكام الرسالة.

ولا يخفىُ أن المتأمل المتدبر في حكمة تشريع وجوب مناسك الحج بصورة عامة وبعضها المنطلق من مناسبة اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون هذا المنسك إشارة له من أجل إحياء ذكرى الشخص الذي حصلت المناسبة معه وارتبطت الحادثة به من جهة تاريخية.

أجل : إن المتأمل في روح تشريع هذه المناسك والغاية المنشودة من تشريعها ـ يُدرك أن هذه الغاية أوسع من نقطة الانطلاق ومناسبة التشريع التي كانت المنطلق في البداية.

فالسعي مثلاً وإن رُبط بتلك المرأة المؤمنة الصابرة المحتسبة ـ هاجر ـ وجعل تشريعه إحياءً لذكرها وذكراها ولكن الغاية الكبرى لا تقف عند هذه النقطة بل تنطلق لتمثل كل سعي في سبيل إطاعة الله تعالى ويكون ابتداؤه من صفاء النية وسلامة القصد وانتهاؤه عند الغاية الشريفة المقصودة منه والمقربة من الله تعالى والنافعة لخلقه بما يعبر عن مروءة الساعي وشهامته.

وكذلك شعار الرمي وإن انطلق من المناسبة التاريخية المذكورة ولكن الهدف المقصود من تشريعه أكبر من حادثتها وأوسع من زمانها ومكانها وإنسانها حيث يمتد هدفه إلى ساحة الذات لتُرمى فيها النفس الأمارة بالسوء فلا تطاع بمصعية الله تعالى كما يُرمى الشيطان المعنوي بحجارة التقوى والاعتصام بحبل الله والجهاد في سبيله لتبقى كلمته هي العليا وكلمة كل شياطين الإنس والجن هي السفلى ويكون رمي الجمرات في منى وفي اليوم العاشر والحادي والثاني عشر ـ رمزاً لرمي هذه الشياطين على اختلاف أنواعها وأحجامها ـ بالموقف الحر الأبي الرافض لكل أنواع المساومة والمهادنة على حساب المبدأ الأصيل والوطن العزيز والكرامة الكريمة والعزة العزيزة.

وأما الحلق أو التقصير اللذان يجب أحدهما على الحاج بعد قيامه بواجبي الرمي والذبح فإنه يكون رمزاً لزوال درن الذنوب ودنس الخطايا عن روحه ونفسه كما زال الشعر كله أو بعضه عن رأسه كما يكون رمزاً للنظافة المعنوية والزينة الروحية التي يُتوقع ممن توفق لتأدية فريضة الحج أن يتجمل بها ليكون وضعه في يومه وبعد تأدية فريضة الحج المقدسة ـ مغايراً لما كان عليه قبلها باعتبار أن الحج لم يوجبه الله تعالى لشكله وصورته فحسب وإنما أوجبه لغاية التقوى كما يفهم ذلك من سياق بعض الآيات المتحدثة عن الحج مثل قوله تعالى :
( الحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِن خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولي الأَلبَابِ )(2).

وقوله تعالى :
( لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَآؤُهَا وَلكِن يَنَالُهُ التَّقوَى مِنكُمْ )(3).

وإن كان وارداً في مقام الحديث عن بعض شعائر الحج وهو الهدي ولكن القطع بعدم الفرق بينه وبين سائر الشعائر الواجبة في الحج ـ ينتج لنا بوضوح أن الغاية الأساسية من فريضة الحج بمجموع شعائرها هي التقوى.

ويؤكد ذلك التصريح في آية الصوم بأن الغاية الأساسية المقصودة منه هي التقوى حيث قال سبحانه :
( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(4).

كما يؤكد هذه الحقيقة الإيمانية الآية الأخرى التي تفيد أن التقوى هي الأثر المقصود من العبادة بمعناها العام الشامل لكل العبادات وهي قوله تعالى :
( يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(5).

وعلى ضوء تحديد الهدف ومعرفة الغاية المقصودة من تشريع وجوب فريضة الحج المقدسة ـ يستطيع الحاج أن يعرف نفسه ويعرف غيره أيضاً نتيجة حجه وهل هي النجاح والفوز بنيل الغاية المقصودة أو الرسوب وبقاؤه على وضعه السابق كالطالب الذي يرسب في امتحانه ويبقى في صفه أو المريض الذي لا يستفيد من علاجه ويبقى على حاله بدون تحسن صحي أو دارس علم النحو ليصون لسانه عن الخطأ في المقال أو علم المنطق ليصون فكره عن الخطأ في البرهنة والاستدلال أو علم الفقه ليعرف الحرام فيتركه والحلال فيفعله ثم يبقى كل واحد من هؤلاء على حاله السابق لعدم صون الأول لسانه والثاني فكره والثالث نفسه من الانحراف عن جادة الشرع.

مع أن المقصود من التفقه في الدين معرفة نهج التقوى ليسير المتفقه فيه ولا ينحرف عنه فإذا لم يترتب هذا الأثر على تعلمه كان أضر عليه من جهله كما ذكر الإمام علي عليه‌السلام حيث قال (على ما أتذكر) : والعالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله بل الحجة عليه أتم والحسرة له ألزم وهو عند ا‏لله ألوم.

ومن أجل التوضيح ومعرفة الإنسان الناجح في مدرسة التدين والالتزام نذكر المقياس العام الذي يُعرف به الناجح والراسب في الامتحان الذي يتعرض له الطالب في هذه المدرسة فنقول :
إن المقياس الصحيح والميزان السليم الذي يُعرف به واقع الانتماء إلى مدرسة الشرع والالتزام بأحكامه كما يُعرف النجاح ودرجته في امتحان المنتمي إلى هذه المدرسة وعدم النجاح أو ضعفه.

أجل : إن الميزان الصحيح الذي يُعرف به ذلك كله هو ترتب الغاية المقصودة من تأسيس هذه المدرسة وطلب الانتماء إليها وتلقي تعاليمها وهي التقوى والعمل الصالح والخلق الفاضل وقد استفيد الجزء الأول من هذه الغاية وهو التقوى من صريح قوله تعالى في الآية المتقدمة :
( يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(6).

واستفيد الجزء الثاني منها من قرن العمل الصالح بالإيمان في الكثير من آيات الكتاب المجيد من ذلك ما ورد في سورة العصر وهي قوله تعالى :
( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ )(7).

واستفيد الثالث من صريح قول الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشهور : «إنّما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

والمراد بالتقوى فعل الواجبات وترك المحرمات وبعبارة أوضح المراد بها الاستقامة في خط الشريعة وعدم الانحراف عنه بتأثير الأهواء الجامحة والأطماع الطامحة.

وذلك لأن المؤمن الرسالي يقارن دائماً بين نعيم الدنيا الزائل ونعيم الآخرة الخالد فيضحي بالأول عندما يكون الميل إليه والسعي في سبيل تحصيله مؤدياً إلى الحرمان من الثاني.

ويستفاد ذلك من صريح قول الإمام علي عليه‌السلام : لو كانت الدنيا من ذهب وهو يفنى والآخرة من خزف وهو يبقى لآثرت الخزف الباقي على الذهب الفاني.

وكذلك يقارن هذا المؤمن باستمرار بين المشقة والمعاناة وربما العذاب النفسي أو الجسدي أو هما معاً ـ الحاصلين له من قبل الظالمين الطغاة لعدم ركونه إليهم وتعاونه معهم أو لعدم سكوته عنهم ـ وعذاب الآخرة الحاصل له بسبب ركونه إليهم المنهي عنه بصريح قوله تعالى :
( وَلا تَرْكَنُوا إلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ )(8).

فيؤثر تحمل عذاب الدنيا ويصبر عليه لزواله وخفته بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

ويأتي تحمل بلال الحبشي العذاب الجسدي والنفسي الحاصل له من مالكه أمية بن خلف بسبب إيمانه برسالة الحق الخالدة المسعدة ليكونَ الشاهد الحي المعبر عن الحقيقة الإيمانية المذكورة حيث كان يقابل ذلك كله بإباء وجلَد مردداً ذلك الشعار الخالد الذي كان ولا يزال صداه يرن في مسامع الأجيال الواعية لتستلهم منه دروساً في التضحية والإباء والصبر على البلاء الشديد في سبيل نصرة المبدأ الحق والثبات عليه من أجل نيل الجزاء العاجل العادل وهو الذكر العاطر والتقدير الوافر ( والذكر للإنسان عمر ثاني ).

مع الجزاء الخالد والسعادة الأبدية التي أعدها الله سبحانه للمؤمنين المجاهدين في سبيله الصابرين على الأذى من أجل نيل رضاه بنصرة مبدئه.

وعنيت بالشعار الذي كان يردده بلال وهو يئن تحت سياط التعذيب قوله لمالكه المذكور بالسوء : أحد أحد أحد.

ومن المناسب للمقام ذكر آسية بنت مزاحم زوجة فرعون التي تحملت اشد أنواع العذاب من زوجها الطاغي فرعون بسبب إيمانها بربها وبقائها على فطرة التوحيد بعبادة خالقها الواحد الأحد. وقد ضرب الله بها مثلاً للذين آمنوا ليحي ذكرها ولتكون قدوةً لكل مؤمن يتعرض لما تعرضت له بسبب إيمانه وثباته على مبدئه. قال سبحانه :
( وَضَرَبَ اللُّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ ءامَنُوا امْرَأتَ فِرعَوْنَ إذ قَالَت رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيتاً فِي الجَنَّةِ وَنَجّني مِن فِرْعَونَ وَعَمَلِهِ وَنَجِنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمينَ )(9).

كما ضرب الله مثلاً آخر للذين كفروا بامرأتين كافرتين وهما امرأة نوح وامرأة لوط حيث كفرت كل واحدة منهما برسالة زوجها النبي وكانت تتعاون مع أعدائه الكافرين ضده ، قال سبحانه :
( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )(10).

وقد أراد الله بضرب هذين المثالين المذكورين أن ينبه على حقيقة ويكشف شبهة ربما طرأت وتطرأ على أذهان الكثيرين وهي أن انحراف الزوج قد يسبب انحراف زوجته معه وخصوصاً إذا مارس الضغط عليها كما صنع فرعون مع زوجته.

ويأتي صبر هذه المرأة المؤمنة البطلة على التعذيب وتحملها المزيد من الألم الجسمي والنفسي في سبيل ثباتها على مبدئها ، ليدفع تلك الشبهة ويبين أن المؤمن البطل المعتصم بحبل الله والمتوكل عليه والمستعين به لا تستطيع أيةُ قوة مادية أن تؤثر على عقيدته وتغير من مسيرته الرسالية إذا أراد أن يثبت عليها ويستمسك بعروتها الوثقى.

وأراد سبحانه أن يدفع شبهة أخرى بالمثل الآخر الذي ضربه للذين كفروا بالمرأتين المذكورتين وهي أن المرأة ربما تتأثر بصلاح زوجها إلى درجة تصبح معها الاستقامة في خطه شبيهاً بالأمر الواقع المفروض على سلوكها ومسيرتها الرسالية.

وإذا اتفق حصول انحراف من زوج النبي أو أي مؤمن آخر أو من ولده أو أي قريب منه وصديق له ـ عن خطه كان قربه من ذلك المؤمن المستقيم عقيدة وسلوكاً ـ وسيلة لنجاته من عذاب يوم القيامة.

وقد دفع الله هذه الشبهة بالمثل الآخر بقوله تعالى :
( فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ أدْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )(11).

وكذلك دفع الله سبحانه شبهة واحتمال انتفاع الولد بصلاح والده وخصوصاً إذا كان نبياً مرسلاً ـ عن طريق التوسل والشفاعة إذا كان هذا الولد منحرفاً عن خط الاستقامة.

دفع الله سبحانه ذلك بقوله :
( قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (12).

وكان هذا الخطاب الموجه إلى النبي نوح في شأن ولده بعد الآية السابقة عليه التي أبدى فيها نوح احتمال حصول النجاة لولده لكونه من أهله وقد وعد ا‏لله سبحانه بنجاتهم في آية أخرى والآية السابقة على هذه الآية هي قوله تعالى :
( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ أبني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الحَاكِمينَ ) (13).

وقد رد الله سبحانه على نبيه هذا بقوله :
( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) (14).



المصادر:
(1) وهو الحلق أو التقصير.
(2) سورة البقرة ، الآية : ١٩٧.
(3) سورة الحج ، الآية : ٣٧.
(4) سورة البقرة ، الآية : ١٨٣.
(5) سورة البقرة ، الآية : ٢١.
(6) سورة البقرة ، الآية : ٢١.
(7) سورة العصر ، الآيات : ١ و٢ و٣.
(8) سورة هود ، الآية : ١١٣.
(9) سورة التحريم ، الآية : ١١.
(10) سورة التحريم ، الآية : ١٠.
(11) سورة التحريم ، الآية : ١٠.
(12) سورة هود ، الآية : ٤٦.
(13) سورة هود ، الآية : ٤٥.
(14) سورة هود ، الآية : ٤٦.

** فلسَفة الحجّ في الإسلام للشيخ حسن طراد **


نسأل الله لكم التوفيق ببركة وسداد أهل البيت عليهم السلام