خادم تراب الزهراء (ع)
02-05-2016, 10:35 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجَل فرجهم يا كريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله من كل سوء وشر ...
نقلاً من كتاب بداية المعرفة مؤلفه حسن مكي العالمي ، أحد المؤمنين قام بكتابة الإصول الخمسة الاساسية
من ذلك الكتاب ومن يريد الإستزادة من الامور العقائدية الأخرى فليراجع ذلك الكتاب .
التوحــــــــــــــيد
1- التوحيد في الذات : أحد
هذا هو القسم الأول من قسمي التوحيد الذاتي ، والله تعالى أحد بسيطٌ غير مُركَب .
والمُركب هو ما له جُزءٌ ، ويقابله البسيط وهو مالا جُزء له .
ويدلَُ على انه تعالى بسيط ، انه تعالى ـ بحسب ما انتهت إليه القسمة العقلية ــ واجب الوجود ، فلو كان مركبا من أجزاء ، لكان مفتقرا إلى أجزائه ، والمفتقر مُمكنٌ .
توضيح ذلك :
إن التركيب إما تركيب ذهني ، كتركَُب الماهيات من الأجناس والفصول ، أو تركيب خارجي كتركَُب الأجسام من الأعضاء والأجهزة المختلفة ، وتركَُب المواد من الجزئيات ، والجزئيات من الذرَات .
والمُركَب ، بكلا المعنيين ، محتاجٌ إلى أجزائه ، أما احتياج وجود ، كاحتياج الماء إلى عُنصُرية : الأوكسجين والهيدروجين ، وبدون أحدهما ينعدم ويفنى ، وكماهية الإنسان ، تحتاج إلى كلا جزئيها العقليين : الحيوان والناطق ، لتتحصَل في الذهن .
أو احتياج تكامل ، كاحتياج البدن إلى اليد ،وبدونها يكون البدن ناقصاً في فاعليته .
فلو كان الباري ـ جلَت عظمته ــ مركَباً ، لكان مفتقراً إلى أجزائه ، إماً في تحقق وجوده وبقائه ، أو في كماله وتماميته في فعاليته . والافتقار مساوً للإمكان ، فيلزم كونه ممكناً ، مع الخالق واجب الوجود .
وبإمكانك أن تقول : إنَ فرض كون الصانع واجب الوجود ، بحسب ما انتهت إليه القسمة العقلية ، يُستلزمُ كونهُ بسيطاً لا جُزء له .
وإلى هذه الصفه يشير سبحانه في سورة الإخلاص بقوله : ( قُل هُو الله أحد ) ( سورة الإخلاص : الآية الأولى .
التوحيد في الذات : واحد لا ثاني له
هذا هو القسم الثاني في أقسام التوحيد الذاتي . والله تعالى واحدٌ في ذاته لا ثاني له ، ويدل على ذلك أنَه لو كان في الوجود واجباً وجودٍ ، للزم إمكانُهما ، وهو خلاف الفرض .
بيان ذلك :
إن واجبي الوجود المُفترضين ، يشتركان في وجوب الوجود حسب الفرض . وبحكم كونهما اثنين ، لابد من مائز وراء هذا الأمر المُشترك يُميَزهما عن بعضهما ، وبدونِه لا تتحقق الإثتينيَة * ( يقول الحكيم السبزواري : وما له تكثَر قد حصلا ففيه ما سواه قد تخلَلا ، ففرض الإثنينيَة ، لازمة التركب )
. فيلزم عندئذ تركَُب كلَ منهما من شيئين : أـ مابه الإشتراك : وهو واجبيَة الوجود .
ب ـ مابه الإمتياز
وإذا كان كلَ منهما مركباً ، لم يكن أيَ منهما واجب الوجود ، لأنَ المركَب كما عرفت محتاج إلى أجزائه ، والاحتياج صفة الإمكان ، فان واجب الوجود غنيَ محضاً عن كل شيء . فإذن يلزم من فرض واجبي وجودٍ ، إمكانُهما ، وهو خلاف الفرض .
وإلى الواحديَة في الذات يُشير الذكر الحكيم بقوله : ( ولم يكُن لهُ كُفُواً أحد ) (سورة الإخلاص : الآية4 .
2- التوحيد في الخالقيَة : لا خالق سواه
التوحيد في الخالقيَة معناه انه لا خالق في الوجود إلإَ الله ، وبعبارة أدق كلَ ما سوى الله إنما يخلُقُ ويفعلُ بالاستناد إلى الله تعالى وبإقداره ، لا بالاستقلال وإنما المستقل في الخلق هو الله سبحانه لاغير .
والدليل على ذلك أنَ كلَ ما سوى الله تعالى ممكن الوجود ، كما تقدَم إثباته في التوحيد الذاتي وممكن الوجود محتاجٌ إلى الواجب في وجوده وآثار وجودهِ وآثار وجودهِ التي هي : خلقُهُ وفِعلهُ وتصرفاته جميعها . فلو كان هناك خالقٌ مستقلٌ آخر سوى الله ، للزم أن يكون هناك واجبٌ وجودٍ آخر ، وهذا خلافُ الواحديَة في الذات .
وعلى هذا ، فكل ما ورد في الكتاب والسُنًة من أن بعض الأشياء التكوينية تقوم بأفعال في الكون وتوجد أشياء أخرى ، كالشمس تُنير كوكبنا ، والمطر يخرج النبات من الأرض . أو ما يرجع إلى الإنسان في صنعه وإيجاده للأشياء ، كل ذلك معناه إن إيجادها وفعلها هو إيجادٌ وفعلٌ تبعيٌَ وظلَيٌَ ، وفي طول إيجاده تعالى ، وليس إيجادُها وفعلُها في عرضٍ إيجاده تعالى وبالاستقلال عنه . وفي الذكر الحكيم آياتٌ كثيرةٌ تشير إلى التوحيد في الخالقيَة . مثل قوله : ( الله خالقُ كل شيء ) ( سورة الزمر ، الآية 62)
3- 4- التوحيد في الربوبيَة : لا ربَ سواه
الرَبوبيَة بمعنى الإدارة والتدبير يُقال : ربَُ الدار ، وربَُ القطيع ، وربَُ البستان : أي راعيها ، ومدبر أمورها ، ومُديَر شؤونها وحاجاتها بما يكفل بقاءها ويضمن نموَها وإنتاجها وتكاملها ، كلَ بحسبها .
والله واحدٌ في الرَُبوبيَة ، بمعنى انه لا شريك له في تدبير الكون وتنظيم أموره وشؤونه ، ورعاية الموجودات جميعها .
وهذه المسألة هي نقطة الإنكار الأساسيَة لمشركي الجاهليَة ، فإنهم ، وان كانوا يعتقدون بوحدة الإله الصانع لهذا الكون ، ولكنهم ــ لعجز عقولهم عن إدراك وتصوَر إمكانية إتصال ذلك الخالق الذي لا يُرى ، بهذا الكون الماديَ ــ إختلفوا مجموعة كثيرة من الأرباب هي زعمهم المدبَرة لهذا الكون ، مفوضة في ذلك من قبل الإله الأكبر الخالق للكون ، الذي انقطعت يده عن تدبيره .
ولم يكن اختلاق هذه الأرباب من وحي أفكارهم وإبداعها ، بل هي فكرة مُستوردة من بلاد الروم وفارس ، كما يظهر ذلك من المنقولات التاريخية . ( لاحظ مثلا: السيرة الحلبية ،ج3 ،ص29 . )
وبغضَ النظر عن الأدلة النقليَة والآيات الكثيرة في القرآن الكريم ، الدالة على وحدة المدبَر لهذا الكون ، هناك أدلة عقلية وافرة على ذلك ، نكتفي بثلاثة أدلة :
الدليل الأول : الاستحالة العقليَة
إن فرض وجود أكثر من إله يدير مجموع الكون ، فرضُ في جميع وجوهه المُتصورة بيان ذلك :
لو كان هناك إلهان ــ مثلاً ــ مدبران لمجموع الكون ، فلنفرض عند ذاك أَنَ إرادة أحدهما تعلقت بتحريك جسم ما ، فلا يخلو إما أن يمكن للآخر تسكينه ، أولاً . فإن أمكن ، فلا يخلو :
إما أن يقع مرادهما معاً . أو لا يقع مرادُ أيَ منهما . أو لا يقع مراد أحدهما فقط .
والأول محال ، لاستلزامه اجتماع المتناقضين .
والثاني محال أيضاً ، لاستلزامه ارتفاعهما وخلو الجسم عن الحركة والسكون .
والثالث فيه فسادان
أ- الترجيح بلا مرجُح .
ب- عجز الآخر .
والترجيح بلا مرجَح ، محال . وعجز الإله باطل ، إذ يخرج لذلك عن صلاحية التدبير ، ويكون حاله كغيره من الموجودات فلا يكون إلهاً . وان لم يمكن للآخر تسكينه ، يلزم عجزه ، وقد عرفت أنَ عجز الإله باطل . فظهر من ذلك استحالة وجود أكثر من مدبَرٍ واحد لمجموع الكون .
الدليل الثاني : ثبات النظام الكوني
إن اتساق النظام الكوني وثباته ، دليل وحدة الرب المدبَر له .
وعبارة أخرى : لو كان مع الله ( وهو واجب الوجود الصانع لهذا الكون ) شريك في تدبير الكون ، للزم فساد نظام الوجود ، والحال أنَه متَسق وثابت ، فيُنتج عدم الشريك له .
بيان ذلك :
لو كان تدبير الكون وتنظيم أموره ورعايته موجوداته ، راجعاً إلى أكثر من إله فحينئذٍ كلَُ إله سيفعل ما يريده ويراه مناسباً في تدبير هذا الكون الواحد . فيلزم فساد النظام ، لتنازع الآلهة المدَبرة له وتمانعها ــ لا محالة ــ في إدارته ، وهو خلافُ المشاهد بالحِسَ من انتظام الكون بما فيه على أحسن وأتمَ نظم .
وإلى هذا الدليل أشار الذكر الحكيم بقوله : ( ( لو كان فيهما آلهةٌ إلاَ الله لفسدتا )) ( سورة الأنبياء : الآية 22)
الدليل الثالث : وحدة النظام الكونيَ
ويدل على وحدة الرب المدَبر لهذا الوجود ، خضوعه في جميع أجزائه لنظام واحد منسجم ومتعاطف ، وقد كشف العلم الحديث عن كثير من الحقائق في ترابط الإنسان بدناً وروحاً بمحيطه وترابط الأرض والماء والهواء والأفلاك في علاقات متبادله تحفظ توازن الوجود وبقاءه ، واستمرار مقوَمات الحياة لجميع الموجودات .
فلو كان ثمَة إله آخر يدير قسماً من الكون ، لشاهدنا نظامه ، وأحسسنا بوجود نوعين من الأنظمة يدار بهما الكون ، لكل منهما خصائصه ومميزاته التي ينفرد بها ، وذلك كلَُه منتف . فيدل على انه لامدبَر سوى اله واحد .
والى هذا الدليل يشير قوله تعالى : ( ما اتَخذ اللَه من ولدٍ وما كان معهُ مِن إله إذاً لذهب ُكلَُ إله بما خلق ) ( سورة المؤمنون : الآية 91)
وعليه يشير الإمام علي ( عليه السلام ) في وصيَته القيَمة إلى ولده الحسن ( عليه السلام ) حيث يقول : " واعلم يابُنيَ أنه لو كان لربك شريك لأتتك رُسلُهُ ، ولرأيت آثار مُلكهِ وسُلطانهِ ولعرفت أفعاله وصِفاته " ( وصية الإمام أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن ، ص21 ، ط دار الأضواء . )
القرآن والمدَبرات
سؤال :
يعترف القرآن الكريم بوجود أصنافٍ من الملائكة تقومُ بتدبير شؤون هذا الكون وذلك عدة آياتٍ ، منها :
قوله تعالى ( والذارياتِ ذرواً * فالحامِلاتِ وِقراً * فالجارِياتِ يثسراً * فالمُقسماتِ أمراً ) ( سورة الذاريات : ( الآيات 1ـ4 )
قوله تعالى : ( والنًازعات غرقاً * والنَاشِطاتِ نشطاً * والسَابحاتِ سبحاً * فالسَابقات سبقاً * فالمُدبرات أمراً ) ( سورة النازعات : الآيات 5ـ1)
أفلا يتنافى هذا مع التوحيد في الربوبية ، وأنَه لامُدبَر سواهُ تعالى ؟
الجواب :
لامنافاة في ذلك ، لانَ تدبير الملائكة هو في طول تدبيره سبحانه ، أي أنَ تدبيرها ـ في كل آن ولحظة ـ بأمره سبحانه وإذنه ومشيئته ، كما يقول تعالى : ( يخافونَ ربَهم من فوقِهم ويفعلُون ما يُؤمرون ) سورة النحل : الآية 50 .
ويقول تعالى : ( بل عِبادٌ مُكرمون * لا يسبقُونه بالقولِ وهُم بأمرهِ يعملُون ) ( سورة الأنبياء : الآيتان 26و27. ).
فتدبير الكون بيده تعالى ، والملائكة ليست سوى مجرَد وسائط في إجراء وتنفيذ أوامره وما يشاؤه سبحانه في تدبير هذا الكون ومافيه .
4- التوحيد في العبادة
التوحيد في العبادة ، من أبرز السمات التي تُميَز المُوحَد عن المشرك ، فكلَُ من يعبدُ غير الله أو يعبُد شيئاً آخر فهو مشرك . ولذلك ركَز الإسلام عليه وجعله شعاراً للمسلمين يرددونه كل يوم مرات عديدة في صلواتهم وهو قولهم : ( إياك نعبُدُ وإياك نستعينُ) (سورة الفاتحة : الآية 5)
كما صرَح القرآن الكريم بأن الأنبياء كانوا يبعثون عبر التاريخ إلى شعوب العالم جميعاً وهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده وترك عباده من سواه ، كما يقول : ( ولقد بعثنا في كُلَ أُمَةٍ رَسُولاً أنِ اعبُدُوا الله واجتبوا الطَاغوت ) ( سورة النحل : الآية 36 وقد وردت آيات كثيرة تحكي عن هذه الدعوة إلى عبادة الله وذمَ عبادة سواه ، يمكنك أن تلاحظ منها : الأعراف ، 59 ،65، 73، 85، هو : - 50 و61،84. الأنبياء : 25المؤمنون :23و22وطه :14.)
فإذا كان التوحيد في العبادة بهذه المثابة من الأهمية ، فمن الضروري جدا معرفة حقيقة العبادة وحدودها التي تُصحَحُ إطلاق المُوحَد والمُشرك ، وليعلم من ذلك وجه انحصارها بالله سبحانه وتعالى .
ماهي حقيقة العبادة ؟
العبادةُ هي الخضوع الناشيءُ عن اعتقاد خاصَ ، هو اعتقادُ الخاضع أنَ المخضوع لهُ هو خالقُه وربَُه ، أي هو المالك لشؤون العابد كلَها في دينه ودنياه وآخرته .
توضيح ذلك :
إذا أحس الإنسان بمملوكيَته الكاملة في جميع شؤونه المعيشية والأُخروية التي هو صائر إليها أحس بمملوكيتة هذه لموجودٍ آخر هو خالقُه ورازِقهُ جميع نعمه ، يفعل جيمع ذلك بقدرته المطلقة واستقلاله التام ، وإحاطته الشاملة بالوجود ومافيه ، وكل ماسواه مفتقرٌ إليه ، محتاج في وجوده وبقاءه إلى فيض جوده ، إذا اعتقد الإنسان بذلك أيما اعتقاد ، فانه سيلجأ إلى تجسيد إحساسه هذا بألفاظ وأعمال خاصة ، تحمل جميع مظاهر الخضوع والخشوع والانقياد والتسليم ، محاولاً بذلك أن يوفي ربه مايراه له من حق ومنه عليه في جميع شؤون وجوده ، فهذا هو الذي يسمى عباده ونستنتج من هذا البيان نتيجتين : النتيجة الأولى : لا معبود سوى الله
على ذلك البيان المتقدم ، يكون استحقاق العبادة من شؤون الخالقيَة والرَُبوبية ، فمن كان واجب الوجود ، غنياً مطلقاً عن كلَ شيء ، وكان خالقاً للوجود بأسره وربَاً مديراً لشؤونه ، فهو مستحقٌَ للعبادة . وإذن لا واجب ولا خالق ولا رب سوى الله ــ كما تقدَم أثبات جميع ذلك ــ فلا معبود سواه .
النتيجة الثانية : مجرد التعظيم والتبرك والتوسل ليس عبادة
كما يظهر مما تقدم انه ليس كلَ خضوع عبادة ، بل لا بدَ لصِدقِ العبادة أن يفترن ذلك الخضوع اللفظي أو العملي بعقيدة قلبية لدى الخاضع ، هي خالقيَة ومالكية وربوبية من يُخضع له وغناه واستقلاله التام في خلقه ، وربوبيته للعالم ، وبدون ذلك يكون ذلك اللفظ أو العمل تعظيما واحتراما وتقديرا للمخضوع له لا أزيد .
وفي القرآن الكريم نجد عدة مصاديق لما ذكرنا :
منها : سجود الملائكة لأدم ( عليه السلام ) كما يقول تعالى : (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) ( سورة البقرة : الآية 34) . فهذا السجود خضوع عملي تام أمام موجود سوى الله تعالى ، ومع ذلك لم يكن شركا بالله ، لأنه لم يكن ناشئا من الاعتقاد بخالقيه آدم لهم وربوبيته ، فلم يصدُق عليه انَه عبادة لآدم . ولو كان مجرَد الخضوع والصورة الظاهرية له ، كافيا في صدق العبادة لكان الله تعالى آمراً بأن يُشرك به ، ولكان الملائكةُ مشركين ، والعياذُ بالله من جميع ذلك .
ومنها : سجود أخوة يوسف له كما يقول تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخرَوا لهُ سُجدَا) ( سورة يوسف : الآية 100 )
وعلى هذا الأساس يأمر سبحانه كل إنسان بالخضوع التام لوالديه ، والتذلل امامهما ، إذ يقول ( واخفَِض لهُما جناح الذَُل من الرَحمة ) ( سورة الإسراء : الآية 24)
فلو كان مجرد الخضوع التامَ عبادةً ، لكان سبحانه يأمُرُنا بالشرك ، والعياذ بالله .
وفي أمور الناس العُرفية كثير من هذه المظاهر ، التي لا يرون ولايتوهمون فيها شيئا من العبادة ، كتقبيل يد العالم احتراماً ، وتقبيل المصحف تبرَُكاً ، وتقبيل ضرائح الأنبياء وأوصيائهم تبجيلاً وتعظيماً لمقامهم الذي أنزلهم الله تعالى فيه ، كما يقول جل شأنه : ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عِمران على العالمين ) ( سورة آل عمران : الآية 33)
ويقول : ( ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ) ( سورة ص : الآيات 45ــ 48)
وقد فرض القرآن الكريم محبة بعض الأولياء إذ يقول : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)( سورة الشورى : الآية 23 )
فكل هذه المظاهر إنما هي من مظاهر الاحترام والتبجيل التي ترضاها فطرة الإنسان ، وحبَذها الشارع ودعى إليها ، فليست هي عبادة لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً .
ومن هنا يظهر بطلان مزاعم فرقة الوهابيَة المُبتدعة ، التي ادَعت أنَ التبرَك بضرائح الأولياء والتوسل بهم إلى الله ، وطلب شفاعتهم ، وأمثال ذلك ، هو شركٌ بالله وعبادة لغيره ، وفاعل ذلك مشرك . فقد عرفت مما تقدَم أن العبادة لا تصدق بأي وجه على هذه الأفعال ، لاشتراط صدقها باقترانها باعتقاد الخاضع بخالقية ومالكية وربوبية المخضوع له لجميع ما في الكون بالاستقلال التام ، مع إن هذه الأفعال تقع بقصد الاحترام أو باعتقاد أن هؤلاء الأولياء لهم مقام ممنوح بإذن الله ، فهم يغيثون بقدرة الله وإرادته ، ويشفعون بإذنه سبحانه . هذا ، إضافة إلى النماذج القرآنية المتقدمة التي تدل على أمره سبحانه بسجود الملائكة لآدم ، وتشير إلى سجود أخوة يوسف له ، والسجود أعظم من الأفعال المتقدمة ومن أجل مظاهر الخضوع ، مع انه لم يكن عبادة له .
فالكلمة الحاسمة في هذه الموضوعات من وجهة التوحيد والشَرك هي محاسبة عقيدة القائم بهذه الأفعال ، فأن كانت ناشئة عن اعتقاد بخالقيَة وربوبية هذه الأشياء واستقلالها في فعلها استقلالاً تمامَاً ، كانت شرِكاً ، وإلاَ فلا .
يتبع النبوَة.
وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد أهل البيت عليهم السلام
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين الأشراف وعجَل فرجهم يا كريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله من كل سوء وشر ...
نقلاً من كتاب بداية المعرفة مؤلفه حسن مكي العالمي ، أحد المؤمنين قام بكتابة الإصول الخمسة الاساسية
من ذلك الكتاب ومن يريد الإستزادة من الامور العقائدية الأخرى فليراجع ذلك الكتاب .
التوحــــــــــــــيد
1- التوحيد في الذات : أحد
هذا هو القسم الأول من قسمي التوحيد الذاتي ، والله تعالى أحد بسيطٌ غير مُركَب .
والمُركب هو ما له جُزءٌ ، ويقابله البسيط وهو مالا جُزء له .
ويدلَُ على انه تعالى بسيط ، انه تعالى ـ بحسب ما انتهت إليه القسمة العقلية ــ واجب الوجود ، فلو كان مركبا من أجزاء ، لكان مفتقرا إلى أجزائه ، والمفتقر مُمكنٌ .
توضيح ذلك :
إن التركيب إما تركيب ذهني ، كتركَُب الماهيات من الأجناس والفصول ، أو تركيب خارجي كتركَُب الأجسام من الأعضاء والأجهزة المختلفة ، وتركَُب المواد من الجزئيات ، والجزئيات من الذرَات .
والمُركَب ، بكلا المعنيين ، محتاجٌ إلى أجزائه ، أما احتياج وجود ، كاحتياج الماء إلى عُنصُرية : الأوكسجين والهيدروجين ، وبدون أحدهما ينعدم ويفنى ، وكماهية الإنسان ، تحتاج إلى كلا جزئيها العقليين : الحيوان والناطق ، لتتحصَل في الذهن .
أو احتياج تكامل ، كاحتياج البدن إلى اليد ،وبدونها يكون البدن ناقصاً في فاعليته .
فلو كان الباري ـ جلَت عظمته ــ مركَباً ، لكان مفتقراً إلى أجزائه ، إماً في تحقق وجوده وبقائه ، أو في كماله وتماميته في فعاليته . والافتقار مساوً للإمكان ، فيلزم كونه ممكناً ، مع الخالق واجب الوجود .
وبإمكانك أن تقول : إنَ فرض كون الصانع واجب الوجود ، بحسب ما انتهت إليه القسمة العقلية ، يُستلزمُ كونهُ بسيطاً لا جُزء له .
وإلى هذه الصفه يشير سبحانه في سورة الإخلاص بقوله : ( قُل هُو الله أحد ) ( سورة الإخلاص : الآية الأولى .
التوحيد في الذات : واحد لا ثاني له
هذا هو القسم الثاني في أقسام التوحيد الذاتي . والله تعالى واحدٌ في ذاته لا ثاني له ، ويدل على ذلك أنَه لو كان في الوجود واجباً وجودٍ ، للزم إمكانُهما ، وهو خلاف الفرض .
بيان ذلك :
إن واجبي الوجود المُفترضين ، يشتركان في وجوب الوجود حسب الفرض . وبحكم كونهما اثنين ، لابد من مائز وراء هذا الأمر المُشترك يُميَزهما عن بعضهما ، وبدونِه لا تتحقق الإثتينيَة * ( يقول الحكيم السبزواري : وما له تكثَر قد حصلا ففيه ما سواه قد تخلَلا ، ففرض الإثنينيَة ، لازمة التركب )
. فيلزم عندئذ تركَُب كلَ منهما من شيئين : أـ مابه الإشتراك : وهو واجبيَة الوجود .
ب ـ مابه الإمتياز
وإذا كان كلَ منهما مركباً ، لم يكن أيَ منهما واجب الوجود ، لأنَ المركَب كما عرفت محتاج إلى أجزائه ، والاحتياج صفة الإمكان ، فان واجب الوجود غنيَ محضاً عن كل شيء . فإذن يلزم من فرض واجبي وجودٍ ، إمكانُهما ، وهو خلاف الفرض .
وإلى الواحديَة في الذات يُشير الذكر الحكيم بقوله : ( ولم يكُن لهُ كُفُواً أحد ) (سورة الإخلاص : الآية4 .
2- التوحيد في الخالقيَة : لا خالق سواه
التوحيد في الخالقيَة معناه انه لا خالق في الوجود إلإَ الله ، وبعبارة أدق كلَ ما سوى الله إنما يخلُقُ ويفعلُ بالاستناد إلى الله تعالى وبإقداره ، لا بالاستقلال وإنما المستقل في الخلق هو الله سبحانه لاغير .
والدليل على ذلك أنَ كلَ ما سوى الله تعالى ممكن الوجود ، كما تقدَم إثباته في التوحيد الذاتي وممكن الوجود محتاجٌ إلى الواجب في وجوده وآثار وجودهِ وآثار وجودهِ التي هي : خلقُهُ وفِعلهُ وتصرفاته جميعها . فلو كان هناك خالقٌ مستقلٌ آخر سوى الله ، للزم أن يكون هناك واجبٌ وجودٍ آخر ، وهذا خلافُ الواحديَة في الذات .
وعلى هذا ، فكل ما ورد في الكتاب والسُنًة من أن بعض الأشياء التكوينية تقوم بأفعال في الكون وتوجد أشياء أخرى ، كالشمس تُنير كوكبنا ، والمطر يخرج النبات من الأرض . أو ما يرجع إلى الإنسان في صنعه وإيجاده للأشياء ، كل ذلك معناه إن إيجادها وفعلها هو إيجادٌ وفعلٌ تبعيٌَ وظلَيٌَ ، وفي طول إيجاده تعالى ، وليس إيجادُها وفعلُها في عرضٍ إيجاده تعالى وبالاستقلال عنه . وفي الذكر الحكيم آياتٌ كثيرةٌ تشير إلى التوحيد في الخالقيَة . مثل قوله : ( الله خالقُ كل شيء ) ( سورة الزمر ، الآية 62)
3- 4- التوحيد في الربوبيَة : لا ربَ سواه
الرَبوبيَة بمعنى الإدارة والتدبير يُقال : ربَُ الدار ، وربَُ القطيع ، وربَُ البستان : أي راعيها ، ومدبر أمورها ، ومُديَر شؤونها وحاجاتها بما يكفل بقاءها ويضمن نموَها وإنتاجها وتكاملها ، كلَ بحسبها .
والله واحدٌ في الرَُبوبيَة ، بمعنى انه لا شريك له في تدبير الكون وتنظيم أموره وشؤونه ، ورعاية الموجودات جميعها .
وهذه المسألة هي نقطة الإنكار الأساسيَة لمشركي الجاهليَة ، فإنهم ، وان كانوا يعتقدون بوحدة الإله الصانع لهذا الكون ، ولكنهم ــ لعجز عقولهم عن إدراك وتصوَر إمكانية إتصال ذلك الخالق الذي لا يُرى ، بهذا الكون الماديَ ــ إختلفوا مجموعة كثيرة من الأرباب هي زعمهم المدبَرة لهذا الكون ، مفوضة في ذلك من قبل الإله الأكبر الخالق للكون ، الذي انقطعت يده عن تدبيره .
ولم يكن اختلاق هذه الأرباب من وحي أفكارهم وإبداعها ، بل هي فكرة مُستوردة من بلاد الروم وفارس ، كما يظهر ذلك من المنقولات التاريخية . ( لاحظ مثلا: السيرة الحلبية ،ج3 ،ص29 . )
وبغضَ النظر عن الأدلة النقليَة والآيات الكثيرة في القرآن الكريم ، الدالة على وحدة المدبَر لهذا الكون ، هناك أدلة عقلية وافرة على ذلك ، نكتفي بثلاثة أدلة :
الدليل الأول : الاستحالة العقليَة
إن فرض وجود أكثر من إله يدير مجموع الكون ، فرضُ في جميع وجوهه المُتصورة بيان ذلك :
لو كان هناك إلهان ــ مثلاً ــ مدبران لمجموع الكون ، فلنفرض عند ذاك أَنَ إرادة أحدهما تعلقت بتحريك جسم ما ، فلا يخلو إما أن يمكن للآخر تسكينه ، أولاً . فإن أمكن ، فلا يخلو :
إما أن يقع مرادهما معاً . أو لا يقع مرادُ أيَ منهما . أو لا يقع مراد أحدهما فقط .
والأول محال ، لاستلزامه اجتماع المتناقضين .
والثاني محال أيضاً ، لاستلزامه ارتفاعهما وخلو الجسم عن الحركة والسكون .
والثالث فيه فسادان
أ- الترجيح بلا مرجُح .
ب- عجز الآخر .
والترجيح بلا مرجَح ، محال . وعجز الإله باطل ، إذ يخرج لذلك عن صلاحية التدبير ، ويكون حاله كغيره من الموجودات فلا يكون إلهاً . وان لم يمكن للآخر تسكينه ، يلزم عجزه ، وقد عرفت أنَ عجز الإله باطل . فظهر من ذلك استحالة وجود أكثر من مدبَرٍ واحد لمجموع الكون .
الدليل الثاني : ثبات النظام الكوني
إن اتساق النظام الكوني وثباته ، دليل وحدة الرب المدبَر له .
وعبارة أخرى : لو كان مع الله ( وهو واجب الوجود الصانع لهذا الكون ) شريك في تدبير الكون ، للزم فساد نظام الوجود ، والحال أنَه متَسق وثابت ، فيُنتج عدم الشريك له .
بيان ذلك :
لو كان تدبير الكون وتنظيم أموره ورعايته موجوداته ، راجعاً إلى أكثر من إله فحينئذٍ كلَُ إله سيفعل ما يريده ويراه مناسباً في تدبير هذا الكون الواحد . فيلزم فساد النظام ، لتنازع الآلهة المدَبرة له وتمانعها ــ لا محالة ــ في إدارته ، وهو خلافُ المشاهد بالحِسَ من انتظام الكون بما فيه على أحسن وأتمَ نظم .
وإلى هذا الدليل أشار الذكر الحكيم بقوله : ( ( لو كان فيهما آلهةٌ إلاَ الله لفسدتا )) ( سورة الأنبياء : الآية 22)
الدليل الثالث : وحدة النظام الكونيَ
ويدل على وحدة الرب المدَبر لهذا الوجود ، خضوعه في جميع أجزائه لنظام واحد منسجم ومتعاطف ، وقد كشف العلم الحديث عن كثير من الحقائق في ترابط الإنسان بدناً وروحاً بمحيطه وترابط الأرض والماء والهواء والأفلاك في علاقات متبادله تحفظ توازن الوجود وبقاءه ، واستمرار مقوَمات الحياة لجميع الموجودات .
فلو كان ثمَة إله آخر يدير قسماً من الكون ، لشاهدنا نظامه ، وأحسسنا بوجود نوعين من الأنظمة يدار بهما الكون ، لكل منهما خصائصه ومميزاته التي ينفرد بها ، وذلك كلَُه منتف . فيدل على انه لامدبَر سوى اله واحد .
والى هذا الدليل يشير قوله تعالى : ( ما اتَخذ اللَه من ولدٍ وما كان معهُ مِن إله إذاً لذهب ُكلَُ إله بما خلق ) ( سورة المؤمنون : الآية 91)
وعليه يشير الإمام علي ( عليه السلام ) في وصيَته القيَمة إلى ولده الحسن ( عليه السلام ) حيث يقول : " واعلم يابُنيَ أنه لو كان لربك شريك لأتتك رُسلُهُ ، ولرأيت آثار مُلكهِ وسُلطانهِ ولعرفت أفعاله وصِفاته " ( وصية الإمام أمير المؤمنين لولده الإمام الحسن ، ص21 ، ط دار الأضواء . )
القرآن والمدَبرات
سؤال :
يعترف القرآن الكريم بوجود أصنافٍ من الملائكة تقومُ بتدبير شؤون هذا الكون وذلك عدة آياتٍ ، منها :
قوله تعالى ( والذارياتِ ذرواً * فالحامِلاتِ وِقراً * فالجارِياتِ يثسراً * فالمُقسماتِ أمراً ) ( سورة الذاريات : ( الآيات 1ـ4 )
قوله تعالى : ( والنًازعات غرقاً * والنَاشِطاتِ نشطاً * والسَابحاتِ سبحاً * فالسَابقات سبقاً * فالمُدبرات أمراً ) ( سورة النازعات : الآيات 5ـ1)
أفلا يتنافى هذا مع التوحيد في الربوبية ، وأنَه لامُدبَر سواهُ تعالى ؟
الجواب :
لامنافاة في ذلك ، لانَ تدبير الملائكة هو في طول تدبيره سبحانه ، أي أنَ تدبيرها ـ في كل آن ولحظة ـ بأمره سبحانه وإذنه ومشيئته ، كما يقول تعالى : ( يخافونَ ربَهم من فوقِهم ويفعلُون ما يُؤمرون ) سورة النحل : الآية 50 .
ويقول تعالى : ( بل عِبادٌ مُكرمون * لا يسبقُونه بالقولِ وهُم بأمرهِ يعملُون ) ( سورة الأنبياء : الآيتان 26و27. ).
فتدبير الكون بيده تعالى ، والملائكة ليست سوى مجرَد وسائط في إجراء وتنفيذ أوامره وما يشاؤه سبحانه في تدبير هذا الكون ومافيه .
4- التوحيد في العبادة
التوحيد في العبادة ، من أبرز السمات التي تُميَز المُوحَد عن المشرك ، فكلَُ من يعبدُ غير الله أو يعبُد شيئاً آخر فهو مشرك . ولذلك ركَز الإسلام عليه وجعله شعاراً للمسلمين يرددونه كل يوم مرات عديدة في صلواتهم وهو قولهم : ( إياك نعبُدُ وإياك نستعينُ) (سورة الفاتحة : الآية 5)
كما صرَح القرآن الكريم بأن الأنبياء كانوا يبعثون عبر التاريخ إلى شعوب العالم جميعاً وهم يدعونهم إلى عبادة الله وحده وترك عباده من سواه ، كما يقول : ( ولقد بعثنا في كُلَ أُمَةٍ رَسُولاً أنِ اعبُدُوا الله واجتبوا الطَاغوت ) ( سورة النحل : الآية 36 وقد وردت آيات كثيرة تحكي عن هذه الدعوة إلى عبادة الله وذمَ عبادة سواه ، يمكنك أن تلاحظ منها : الأعراف ، 59 ،65، 73، 85، هو : - 50 و61،84. الأنبياء : 25المؤمنون :23و22وطه :14.)
فإذا كان التوحيد في العبادة بهذه المثابة من الأهمية ، فمن الضروري جدا معرفة حقيقة العبادة وحدودها التي تُصحَحُ إطلاق المُوحَد والمُشرك ، وليعلم من ذلك وجه انحصارها بالله سبحانه وتعالى .
ماهي حقيقة العبادة ؟
العبادةُ هي الخضوع الناشيءُ عن اعتقاد خاصَ ، هو اعتقادُ الخاضع أنَ المخضوع لهُ هو خالقُه وربَُه ، أي هو المالك لشؤون العابد كلَها في دينه ودنياه وآخرته .
توضيح ذلك :
إذا أحس الإنسان بمملوكيَته الكاملة في جميع شؤونه المعيشية والأُخروية التي هو صائر إليها أحس بمملوكيتة هذه لموجودٍ آخر هو خالقُه ورازِقهُ جميع نعمه ، يفعل جيمع ذلك بقدرته المطلقة واستقلاله التام ، وإحاطته الشاملة بالوجود ومافيه ، وكل ماسواه مفتقرٌ إليه ، محتاج في وجوده وبقاءه إلى فيض جوده ، إذا اعتقد الإنسان بذلك أيما اعتقاد ، فانه سيلجأ إلى تجسيد إحساسه هذا بألفاظ وأعمال خاصة ، تحمل جميع مظاهر الخضوع والخشوع والانقياد والتسليم ، محاولاً بذلك أن يوفي ربه مايراه له من حق ومنه عليه في جميع شؤون وجوده ، فهذا هو الذي يسمى عباده ونستنتج من هذا البيان نتيجتين : النتيجة الأولى : لا معبود سوى الله
على ذلك البيان المتقدم ، يكون استحقاق العبادة من شؤون الخالقيَة والرَُبوبية ، فمن كان واجب الوجود ، غنياً مطلقاً عن كلَ شيء ، وكان خالقاً للوجود بأسره وربَاً مديراً لشؤونه ، فهو مستحقٌَ للعبادة . وإذن لا واجب ولا خالق ولا رب سوى الله ــ كما تقدَم أثبات جميع ذلك ــ فلا معبود سواه .
النتيجة الثانية : مجرد التعظيم والتبرك والتوسل ليس عبادة
كما يظهر مما تقدم انه ليس كلَ خضوع عبادة ، بل لا بدَ لصِدقِ العبادة أن يفترن ذلك الخضوع اللفظي أو العملي بعقيدة قلبية لدى الخاضع ، هي خالقيَة ومالكية وربوبية من يُخضع له وغناه واستقلاله التام في خلقه ، وربوبيته للعالم ، وبدون ذلك يكون ذلك اللفظ أو العمل تعظيما واحتراما وتقديرا للمخضوع له لا أزيد .
وفي القرآن الكريم نجد عدة مصاديق لما ذكرنا :
منها : سجود الملائكة لأدم ( عليه السلام ) كما يقول تعالى : (وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ) ( سورة البقرة : الآية 34) . فهذا السجود خضوع عملي تام أمام موجود سوى الله تعالى ، ومع ذلك لم يكن شركا بالله ، لأنه لم يكن ناشئا من الاعتقاد بخالقيه آدم لهم وربوبيته ، فلم يصدُق عليه انَه عبادة لآدم . ولو كان مجرَد الخضوع والصورة الظاهرية له ، كافيا في صدق العبادة لكان الله تعالى آمراً بأن يُشرك به ، ولكان الملائكةُ مشركين ، والعياذُ بالله من جميع ذلك .
ومنها : سجود أخوة يوسف له كما يقول تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخرَوا لهُ سُجدَا) ( سورة يوسف : الآية 100 )
وعلى هذا الأساس يأمر سبحانه كل إنسان بالخضوع التام لوالديه ، والتذلل امامهما ، إذ يقول ( واخفَِض لهُما جناح الذَُل من الرَحمة ) ( سورة الإسراء : الآية 24)
فلو كان مجرد الخضوع التامَ عبادةً ، لكان سبحانه يأمُرُنا بالشرك ، والعياذ بالله .
وفي أمور الناس العُرفية كثير من هذه المظاهر ، التي لا يرون ولايتوهمون فيها شيئا من العبادة ، كتقبيل يد العالم احتراماً ، وتقبيل المصحف تبرَُكاً ، وتقبيل ضرائح الأنبياء وأوصيائهم تبجيلاً وتعظيماً لمقامهم الذي أنزلهم الله تعالى فيه ، كما يقول جل شأنه : ( إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عِمران على العالمين ) ( سورة آل عمران : الآية 33)
ويقول : ( ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ ) ( سورة ص : الآيات 45ــ 48)
وقد فرض القرآن الكريم محبة بعض الأولياء إذ يقول : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)( سورة الشورى : الآية 23 )
فكل هذه المظاهر إنما هي من مظاهر الاحترام والتبجيل التي ترضاها فطرة الإنسان ، وحبَذها الشارع ودعى إليها ، فليست هي عبادة لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً .
ومن هنا يظهر بطلان مزاعم فرقة الوهابيَة المُبتدعة ، التي ادَعت أنَ التبرَك بضرائح الأولياء والتوسل بهم إلى الله ، وطلب شفاعتهم ، وأمثال ذلك ، هو شركٌ بالله وعبادة لغيره ، وفاعل ذلك مشرك . فقد عرفت مما تقدَم أن العبادة لا تصدق بأي وجه على هذه الأفعال ، لاشتراط صدقها باقترانها باعتقاد الخاضع بخالقية ومالكية وربوبية المخضوع له لجميع ما في الكون بالاستقلال التام ، مع إن هذه الأفعال تقع بقصد الاحترام أو باعتقاد أن هؤلاء الأولياء لهم مقام ممنوح بإذن الله ، فهم يغيثون بقدرة الله وإرادته ، ويشفعون بإذنه سبحانه . هذا ، إضافة إلى النماذج القرآنية المتقدمة التي تدل على أمره سبحانه بسجود الملائكة لآدم ، وتشير إلى سجود أخوة يوسف له ، والسجود أعظم من الأفعال المتقدمة ومن أجل مظاهر الخضوع ، مع انه لم يكن عبادة له .
فالكلمة الحاسمة في هذه الموضوعات من وجهة التوحيد والشَرك هي محاسبة عقيدة القائم بهذه الأفعال ، فأن كانت ناشئة عن اعتقاد بخالقيَة وربوبية هذه الأشياء واستقلالها في فعلها استقلالاً تمامَاً ، كانت شرِكاً ، وإلاَ فلا .
يتبع النبوَة.
وفقكم الله لكل خير ببركة وسداد أهل البيت عليهم السلام