كمالات الاستاذ القاضي رحمةالله عليه
و كان المرحوم القاضي آية عجيبة بلحاظ العمل، فأهل النجف ـ و خاصّة أهل العلم منهم ـ يمتلكون عنه قصصاً و حكايات، و كان يعيش في غاية الفقر و الفاقة مع عائلة كبيرة، لكنّه كان غارقاً في التوكلّ و التسليم و التفويض و التوحيد بحيث انّ هذه العائلة لم تحرفه عن مسيره قيد شعرة.
نقل لي أحد أصدقائي النجفيين ـ و هو حالياً من أعلام النجف ـ قال: ذهبت يوماً الی دكّان بائع الخضروات، فشاهدتُ المرحوم القاضي منحنياً منهمكاً بانتقاء الخسّ، الاّ انّه ـ خلافاً للمعهود ـ كان ينتقي الخسّ التالف ذا الورق الخشن الكبير.
وقفت أرقبه بعناية، حتّي أعطي المرحوم القاضي الخسّ لصاحب الدكّان فوزنه، ثم وضعه المرحوم القاضي تحت عباءته و انصرف؛ و كنتُ آنذاك طالباً فتيّاً و كان المرحوم القاضي رجلاً مسنّاً قد تقدّم به العمر، فتبعته و قلتُ له: أيّها السيّد، انّ لديّ سؤالا! لماذا انتقيتَ هذا الخسّ الردي علی عكس ما ينبغي؟
فأجاب المرحوم القاضي: سيّدي العزيز! انّ هذا البائع امرؤ فقير معدم، و أنا أساعده أحياناً، و لستُ أرتضي أن أقدّم اليه شيئاً دون مقابل لئلاّ تُهدر عزّته و شرف حيثيّته و كرامته أولا، و لئلاّ يعتاد ـ لا سامح الله ـ الاخذَ دون مقابل، فيضعف في كسبه و عمله ثانياً.
و لا فرق لدينا أن نأكل الخسّ اللطيف الرقيق أو هذا الخسّ، و كنتُ أعلم أن ليس من مشترٍ يشتريه. فإن حلّ الظهر ألقي به البائع خارج الدّكان، لذا فقد بادرتُ لشرائه منعاً من تضرّر البائع.
كتاب الشمس الساطعه