بسم الله الرحمن الرحیم
اللهم صل علی محمد وآل محمد الطیبین الأطهار الأشراف وعجل فرجهم یاکریم..
السلام علیکم ورحمة الله وبرکاته..
قال الله العظيم في كتابه الحكيم : ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها... صدق الله العلي العظيم.
لشخصية الإنسان في هذه الحياة ثلاثة أبعاد ومن مجموع التفاعل بين هذه الأبعاد الثلاثة تتكون شخصية الإنسان :
البعد الأول : العقل .
البعد الثاني : النفس .
البعد الثالث : الجسد .
أما الروح فهي وعاء يشمل هذه الأبعاد جميعاً..
معنى الروح :
إن الروح هی القوة التي تبعث الحياة في الإنسان وتنبع منها الحياة والتي بمفارقتها للجسم تنتهي حياة الإنسان في هذه الدار الدنيا .
ولذلك إنها وعاء يشمل العقل والنفس والجسد. وإذا انتهت إقامة الروح في جسد الإنسان في هذه الدنيا انتهى وجوده منها أيضاً وانتقل إلى عالم آخر .
ما هو العقل ؟
هو النور الذي يميز الإنسان به بين الحق والباطل " بين الشر والخير بين الممكن والمستحيل وبعبارة أخرى هو قوة الإدراك والتمييز والمعرفة فبالعقل يدرك الإنسان ويميز ويقيم الأشياء .
تعريف النفس :
أما النفس فهناك اختلاف كبير عند الفلاسفة في تحديد المقصود منها حتى أن بعضهم أنهى تعريفات النفس إلى أربعين تعريفاً وتحدثنا فی مجال النفس ضمن الموضوع « صلاح القلب وفساده »
الفرق بين النفس والعقل :
بالعقل تدرك الأشياء فتعرف أن هذا الأمر ممكن وذاك مستحيل العقل هو الوحيد القادر على إدراك الأشياء فالعلم يكون بالعقل والمعرفة تكون بالعقل والتقييم والحكم على الأشياء يكون بواسطة العقل
أما النفس ففيها عواطف الإنسان مثل الحب والبغض فالحب وحب الذات والأنانية والخوف وجميع العواطف والمشاعر والأحاسيس تنبع من النفس إذن فهناك فرق واضح بين العقل والنفس .
والنفس بهذا المعنى تعتبر أخطر منطقة في شخصية الإنسان . فهي مصدر سعادته أو شقائه وكما يقول الله عز وجل : ( ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها)
اما العقل ليس له دور حاكم مثل النفس لأن العقل يدرك الأشياء ويقيمها ، يدرك مثلاً أن العمل والنشاط جيد وأن الكسل سيئ ويدرك أن العدل حسن والظلم قبيح . . فدور العقل في حياة الإنسان هو دور الإدراك والتقييم ولكن النفس تتخذ الموقف وهي التي تبادر وتمتلك زمام الموقف فبيدها أن تصدق وتعمل بما يقوله العقل أو تنحرف وتزيغ عما يقوله . لذلك فإن القرآن الحكيم يشير إلى هذه الناحية فيقول : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً )فمن الناحية العقلية أصدر العقل حكمه وقال لهم أن هذه الحقائق صحيحة وثابتة وواجبة ولكنهم جحدوا بها مع تيقن أنفسهم بصحتها ...لماذا؟
.. لأن أهواءهم النفسية وعواطفهم الشهوانية لم تسمح لهم بأن يطبقوا كلام العقل وفي آية أخرى يقول القرآن الحكيم : ( وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) انظروا وتدبروا إنهم يعلمون فعقولهم قررت أن هذا الشيء حق ، العقل أدرك صواب وأحقية هذا الأمر وقال للإنسان : يا إنسان هذا حق ولكن الهوى والشهوات والعواطف هي التي تجعل الإنسان ينحرف عما يقرره العقل ويكتم الحق ويتستر عليه .
كيف يؤسر العقل ؟
في البداية العقل يعطي رأيه ولكن النفس قد لا تسمح له والعواطف والأهواء والشهوات أمور تجنح نحو خلاف ادراک العقل.
مثال : العقل يقول : السرقة ليست جيدة ، النفس تعترضه فتقرر السرقة ولكن السرقة تحتاج إلى خطة فمن الذي يضع الخطة ؟ إنه العقل .
فتقول النفس للعقل : أنا صممت على السرقة وعليك الآن أن تضع خطة للسرقة ، والعقل يحتج بعدم موافقته وأن السرقة شيء غير جيد فتنهره النفس : دعك من هذا انتهى دورك وأنا الآن قررت السرقة ويجب عليك أن تضع خطة
للسرقة فيطيعها العقل ويصبح آلة في خدمة أهواء النفس وللإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلمات جميلة ورائعة تعبر عن هذه الحقيقة..
الإمام يقول: ( كم من عقل أسير تحت هوى أمير )
العقل أسير ولكن عند من ؟
عند الهوى المتآمر في حياة الإنسان فيأسر العقل ويصبح أسيراً تحت سيطرته
ويقول ( عليه السلام ) : ( أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع )
وفي كلمة أخرى يشير الإمام علي ( عليه السلام ) إلى أن العقل إنما يمارس دوره القيادي الصحيح في حياة الإنسان إذا لم تقيده الأهواء ورغبات الدنيا حيث يقول : ( شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا )
كما يتحدث الإمام ( عليه السلام ) عن حدوث حالة اختراق الشهوات لعقل الإنسان
فيقول : ( قد خرقت الشهوات عقله )
وعنه ( عليه السلام ) : ( ذهاب العقل بين الهوى والشهوة )
ويقول أيضاً : ( عدو العقل الهوى )
... إذن النفس لها قدرة التحكم بالعقل وأن تستخدم العقل ومن هنا تبرز أهمية النفس ويكمن الخطر ومن هنا نجد القرآن الحكيم يعلق سعادة الإنسان وفلاحه ونجاحه على مدى سلامة نفسه يقول تعالى : ( وأما من خاف مقام ربه ونهى
النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) إذن فالمسألة مسألة النفس ، من يزكي نفسه فقد فاز فوزاً عظيماً فيجب أن نولي قضية صحة النفس وسلامة النفس أهمية كبرى .
والله اعلم..