بسم الله الرحمن الرحيم <« الاسلام محمدي الوجود حسيني البقاء » مقولة مشهورة ومتداولة عند المؤمنين ، وكون الإسلام محمدي الوجود مما لاشك ولا ريب فيه ومن البديهيات المتفق عليها عند كافة أهل الإسلام ، وغيرهم من بقية الأديان السماوية وغير السماوية ، أما القول ببقاء الإسلام واستمراريته بسبب الحسين وتضحيته فهذا مما يحتاج إلى دليل وبرهان. فيا ترى هل ما يعتقده المؤمنون من أنه لولا الإمام الحسين عليه السلام ، ولولا مواقفه وشهادته في كربلاء لما بقي من الإسلام إلا اسمه ومن الدين إلا رسمه ، ولكان الإسلام اليوم كبقية الأديان السماوية الأخرى ـ اليهودية والمسيحية ـ ليس لها تطابق مع دين الكليم موسى والمسيح عيسى عليهما السلام إلا في الإسم ودعوى الإنتساب إليهما. ( 4 ) فهل هذه الكلمة « الإسلام محمدي الوجود ، وحسيني البقاء » كلمة حب وعاطفة أطلقها عشاق ومحبي الإمام الحسين عليه السلام ، أم أنها كلمة لها واقع حقيقي ؟ إذ لعل إنسان يتساءل ويقول : كثير من المذاهب الإسلامية لا تنظر إلى الإمام الحسين عليه السلام على أنه إمام مفترض الطاعة ، كما ينظر إليه المؤمنون ، ومع ذلك فإنها متمسكة ظاهرا بالدين وبدستور الاسلام الخالد « القرآن الكريم » فالاسلام مستمر وباق حتى لو لم يقتل الإمام الحسين في كربلاء ، بل حتى لو لم يولد الإمام الحسين عليه السلام. إلا إنا نصرّ ونقول : انه لو لم يكن الإمام الحسين عليه السلام ، ولو لم تكن واقعة كربلا لكان الإسلام إسمه موجود وحقيقته مفقودة ، ولأصبح كبقية الأديان السماوية الموجودة الان ليس له من الحق إلا الاسم ، وأن مقولة « الإسلام حسيني البقاء » لها واقع حقيقي ملموس ممتد من قوله صلى الله عليه وآله « حسين مني وأنا من حسين » (1). ____________ (1) أخرجه البخاري في الأدب من صحيحه ورواه في التاريخ الكبير : ج4 قسم 2 صفحة 415 ، مسند الإمام أحمد : 4 | 172 ، سنن ابن ماجه ، سنن الترمذي ، المستدرك على الصحيحين : 3 | 177 ، ولمعرفة دلالة الحديث راجع ما ألقيناه تحت عنوان « علي مني وأنا منه ». ( 5 ) ولتوضيح ذلك نقول : هناك طائفة من البشر يعتنقون المسيحية وطائفة أخرى يعتنقون اليهودية ، ويزعمون أنها المسيحية التي جاء بها عيسى ، واليهودية التي أنزلت على موسى عليهما السلام ، ولكن الواقع يشهد على أن المسيحية واليهودية الموجودة الان لا تشكل أكثر من 5% مما كانت عليه عند موسى وعيسى عليهما السلام ، بل لعله أقل من هذه النسبة . وليس الكلام ـ في مقامنا هذا ـ في اسم المسيحية واليهودية وبعض الأمور الاعتقادية الضئيلة والقليلة والأحكام المتفرعة على ذلك ، وإنما الكلام في الطابع العام لهذا الدين أو ذاك ، فالطابع العام لليهودية والمسيحية الموجودتان الان لايمت بصلة الى المسيحية واليهودية التي جاء بها عيسى وموسى عليهما السلام ، لافي الاعتقاد ولا في الطقوس العبادية. أما الإسلام الان ـ الموجود لدى المذاهب الإسلامية ـ طابعه العام ينطبق مع الإسلام الذي جاء به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، نعم لا ينطبق عليه بحذافيره ولكنه في الأعم الأغلب وفي أكثر الأحكام يتطابق معه ، فما عند المسلمين اليوم بكافة فرقهم كثير منه مؤسس من قبل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وهذه حقيقة واضحة لا يمكن التغافل والغفلة عنها وهو سر خلود الإسلام ( 6 ) الى يوم القيامة ، فهو خالد بهذه الفرق الإسلامية التي تشكل بمجوعها 50% الى 70% تقريبا (1) من الدين الذي جاء به النبي الأمي صلى الله عليه وآله ، وخالد على نحو الحقيقة والواقعية بتلك الطائفة التي لا تزال على الحق وظاهرة به الى يوم القيامة (2) ، والتي تشكل الإسلام والإيمان صورة وقالباً. ____________ (1) وهذا بفضل الحسين عليه السلام ولولاه ـ كما سيأتي ذكره ـ لكان شأن هذه المذاهب شأن المذاهب المسيحية لا تشكل من دين المسيح عليه السلام إلا الاسم ودعوى الانتساب. (2) ففي الحديث المستفيض « لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة » ، راجع : صحيح البخاري : 4 |253 كتاب المناقب باب 28 ، صحيح مسلم : 1 | 137 كتاب الإيمان باب نزول عيسى عليه السلام ، صحيح سنن أبي داود للألباني : 2 | 471 ، صحيح سنن ابن ماجه للألباني : 1 | 6 ، سنن الترمذي : 4 | 485 ، صحيح سنن النسائي للالباني : 2 | 756 ، سلسلة الأحاديث الصحيحة للالباني : 4 | 571. وأخرجه الامام أحمد بن حنبل في المسند عن جابر ، وابي امامة ، وثوبان ، وزيد بن أرقم ، ومعاوية بن قرة ، وجابر بن سمرة ، وأبي هريرة ، ومعاوية بن أبي سفيان ، ومسلمة ، والمغيرة ، وعمران بن الحصين ، راجع المسند : 2|321 ، 340 ، 379 ، 5|345 ، 384 ، 4|93 ، 97 ، 99 ، 101 ، 104 ، 244 ، 248 ، 252 ، 369 ، 429 ، 434 ، 437 ، 5|34 ، 35 ، 92 ، 94 ، 98 ، 103 ، 105 ، 106 ، 108 ، 269 ، 278 ، 279 . وفي بعض الروايات « ناس من أمتي » ، وبعضها الآخر كما في صحيح البخاري « أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك » ، وفي بعضها الثالث « لن يبرح الدين قائما ، يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة » ، « والطائفة ، والعصابة ، والأمة ، وناس » فيها دلالة على أن الدين لا يزال قائما بفئة قليلة من الناس لا بالأغلبية من المسلمين. ( 7 ) إذا عرفت ذلك نقول : لولا الإمام الحسين عليه السلام لكان اسلام بقية المذاهب والفرق اسلاما طابعه العام لا يتلاءم مع الإسلام الواقعي والحقيقي الذي جاء به الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله ، بل ليس له من الإسلام الواقعي الا الاسم وزعم الانتساب ، كما هو شأن اليهودية والمسيحية. محاضرات في العقيدة (5) الاسلام محمدي الوجود ... حسيني البقاء محاضرات الشيخ أحمد الماحوزي تدوين وتقرير السيد مصطفى المزيدي