الأول: المستعيذ. الثاني: المستعاذ. الثالث: المستعاذ به. الرابع: المستعاذ لأجله.
اعلم أن لهذه الأركان تفصيلات كثيرة خارجة عن مجالنا ونحن نكتفي بذكر مختصر منها.
الركن الأول : المستعيذ وهو الحقيقة الإنسانية من أول منزل السلوك إلى الله إلى منتهى النهاية للفناء الذاتي، وإذا تم الفناء المطلق هلك الشيطان وتمت الاستعاذة. وتفصيل هذا الإجمال أن الإنسان ما دام مقيما في بيت النفس والطبيعة ولم يشتغل بالسفر الروحاني والسلوك إلى الله فهو تحت السلطنة الشيطانية بجميع شؤونها ومراتبها لم يلتبس بحقيقة الاستعاذة وقلقلة اللسان بلا فائدة بل هي تثبيت وتحكيم للسلطنة الشيطانية
إلا بالتفضل والعناية الإلهية، فإذا تلبس بالسير والسلوك إلى الله وشرع في السفر الروحاني فما دام هو في السير والسلوك
فكل ما كان مانعا له من هذا السفر وشوكا في طريقه فهو شيطان سواء أكان من القوى الشيطانية أم من الجن والأنس لأن الجن والأنس أيضا إذا كانت شوكة الطريق ومانعة السلوك إلى الله فبتأييد الشيطان وتصرفه كما أشار إليه سبحانه وتعالى حيث يقول
: " مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ" (1) ويستفاد من الآية الشريفة إن الوسواس الخنّاس الذي هو الشيطان جنّ وأنس أحدهما بالأصالة والآخر بالتبعية، ، وقد أشار إلى هذا المعنى في آية أخرى أيضا حيث يقول:
" شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ" (2) وقد أشار سبحانه في هذه السورة المباركة إلى الأركان الأربعة المذكورة كما هو ظاهر.
والإنسان مستعيذ في مقامين أحدهما حال السلوك إلى الله، وهو يستعيذ من أشواك الوصول التي قعدت على الصراط المستقيم للإنسانية كما حكى سبحانه من قول الشيطان: "
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ "
(3) والآخر في حال الصحو والرجوع من الفناء المطلق، فهو إذاً يستعيذ من الإحتجابات التلوينية وغيرها.
الركن الثاني: المستعاذ منه:وهو إبليس والشيطان الرجيم الذي يمنع الإنسان بحبائله المتنوعة من الوصول إلى المقصد، وحصول المقصد .وما كان في هذا السلوك الإلهي والسير إلى الله مانعا من السير وشوكا في الطريق فهو الشيطان أو مظاهره التي أعمالها أيضا عمل الشيطان، وما كان من عوالم الغيب والشهود والعوارض الحاصلة للنفس وحالاتها المختلفة حجابا لجمال المحبوب سواء أكان من العوالم الملكية الدنيوية كالفقر والغنى والصحة والمرض والقدرة والعجز والجهل والآفات والعاهات وغيرها، أو كان من العوالم الغيبية التجردية والمثالية كالجنة وجهنم، والعلم المتعلق بها حتى العلوم العقلية البرهانية الراجعة إلى توحيد الحق وتقديسه كل ذلك من حبائل إبليس التي تمنع الإنسان عن الحق والأنس به والخلوة معه و لابد من الاستعاذة منه إلى ذات الحق المقدسة جلّ شأنه.
وما منعك عن الحق وحجبك عن جمال المحبوب الجميل فهو شيطانك سواء أكان في صورة الإنسان أو الجن، وما نقل
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول: " أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التي لا يجاوزهنّ بر ولا فاجر من شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها وشر ما ينزل من الأرض وما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير " فلعل المقصود منه هذا المعنى والاستعاذة بوجه الله وبكلمات الله هي الاستغراق في بحر الجمال والجلال، وما منع الإنسان منه فهو من الشرور ومرتبط بعالم الشيطان ومكائده ولا بدّ من الاستعاذة منه بوجه الله سواء أكان من الحقائق الكاملة السماوية أو الناقصة الأرضية إلا أن يكون طارقا بخير وهو الطارق الإلهي الذي يدعو إلى الحق تعالى.
الركن الثالث: المستعاذ به اعلم أن حقيقة الاستعاذة حيث أنها متحققة في السالك إلى الله ومتحصلة في السير والسلوك إلى الحق، بمعنى إن الاستعاذة تختص بالسالك في مراتب السلوك فتختلف الاستعاذة والمستعيذ والمستعاذ منه والمستعاذ به على حسب مقامات السائرين و مدارجهم ومنازل سالكي الحقيقة، ويمكن أن تكون إشارة إلى ذلك السالك قوله تعالى:
" قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ" (4) فيستعيذ السالك بمقام الربوبية من مبادئ السلوك إلى حدود مقام القلب، ويمكن أن تكون هذه الربوبيّة، الربوبية الفعلية فتطابق أعوذ بكلمات الله التامات، فإذا انتهى سير السالك إلى مقام القلب فيظهر في القلب مقام السلطنة الإلهية فيستعيذ في هذا المقام بمقام ملك الناس من شر تصرفات إبليس القلبية وسلطنته الباطنية الجائرة، كما يستعيذ في المقام الأول من شر تصرفاته الصدرية، ولعل ما قاله تعالى
" الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ"
(5) مع أن الوسوسة في القلوب والأرواح أيضا من الخناس لأن الأنسب في مقام التعريف أن يكون التعريف بالشأن العمومي والصفة الظاهرة عند الكل.
فإذا تجاوز السالك عن مقام القلب أيضا إلى مقام الروح الذي هو من النفخة الإلهية واتصاله بالحق اشّد من اتصال شعاع الشمس بالشمس فيشرع في هذا المقام مبادئ الحيرة و الهيمان والجذبة والعشق والشوق، فيستعيذ في هذا المقام بإله الناس، فإذا ترقى من هذا المقام وتكون الذات بلا مرآة الشؤون نصب عينيه، وبعبارة أخرى يصل إلى مقام السر، فالمناسب له أعوذ بك منك وفي هذه المقامات تفصيل لا يناسب مقامنا.
وأعلم أن الاستعاذة بسم الله لجامعيته تناسب جميع المقامات وهي في الحقيقة الاستعاذة المطلقة، وسائر الاستعاذات استعاذات مقيّدة.
الركن الرابع: المستعاذ له، يعني غاية الاستعاذة: اعلم أن ما هو المطلوب بالذات للإنسان المستعيذ فهو من نوع الكمال والسعادة والخير، ويتفاوت ذلك على حسب مراتب السالكين ومقاماتهم تفاوتا كثيرا. فالسالك ما دام في بيت النفس وحجاب الطبيعة تكون غاية سيره حصول الكمالات النفسانية و السعادات الخسيسة الطبيعية وهذا في مبادئ السلوك، فإذا خرج من بيت النفس وذاق شيئا من المقامات الروحانية و الكمالات التجردية فيصير مقصده أعلى و مقصوده أكمل فيلقي المقامات النفسانية وراء ظهره وتكون قبلة مقصودة حصول الكمالات القلبية و السعادات الباطنية فإذا ألفت عنان السير عن هذا المقام أيضا. ووصل إلى منزل السر الروحي فتبرز في باطنه مبادئ التجليات الإلهية ويكون لسان روحه في بادئ الأمر وجّهت وجهي لوجه الله ثم بعد ذلك وجهت وجهي لأسماء الله أو لله ثم بعد ذلك وجهت وجهي له، ولعل الجهة في وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض راجعة إلى المقام الأول بمناسبة الفاطرية.
وبالجملة، فالسالك غايته الحقيقية في كل مقام حصول الكمال والسعادة بالذات، وحيث أن مع السعادات والكمالات في كل مقام شيطانها هو لها قرين وحباله من حبائله مانعة للحصول فلا بد للسالك أن يستعيذ بالحق تعالى من ذلك الشيطان وشروره وحبائله للوصول إلى المقصود الأصلي والمنظور الذاتي، ففي الحقيقة غاية الاستعاذة للسالك حصول ذلك الكمال المترقب والسعادة المطلوبة والحق تعالى جلت عظمته غاية الغايات ومنتهى الطلبات، والاستعاذة من الشيطان تقع بالتبع. والحمد لله أولا و آخراً.
عذراَ اخواني اخواتي على الإطاله وذلك لأهمية الإستعاذه
..............................................
الآداب المعنوية للإمام الخميني (قدس)
(1) الناس 4 ، 5 ، 6
(2) الأنعام 112
(3) الأعراف – 16
(4) الناس 1 ، 2
(5) الناس 5
ننصح بمراجعة موضوع
التحصين العام للسالكين والسالكات