بسم الله الرحمن الرحيم
الصلاة والسلام علي أشرف خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حالات التذبذب
س1/ هل يمكن أن يصل الإنسان إلى درجة أنه لا يعيش حالة التذبذب، في علاقته مع رب العالمين؟..
من أصعب المراحل أن يصل الإنسان إلى درجة أنه يعيش حالة متساوية مع رب العالمين، بحيث تكون ساعاته من الليل والنهار وردا واحدا، وحاله في خدمة المولى سرمدا، كما في دعاء كميل.
ولهذا نحن نعتقد أن صيغ الاستغفار المنقولة عن المعصومين (ع)، مرتبطة بهذه الحالة التذبذبية، وإلا فالمعصوم لا يعقل في حقه المعصية.. فالنبي (ص) كان يقول: (لي مع الله حالات)، وأمير المؤمنين (ع) له غشوات في جوف الليل، وسيدتنا فاطمة (ع) كانت لها وقفات في محراب العبادة ليالي الجمعة.. فإذا كان كبار البشر- النبي وآله (ص)-، يعيشون هذه الحالة التذبذبية، عندهم حالات مختلفة، فكيف بنا نحن؟!..
إلا أن المعصوم اختلاف الحال عنده، من الأعلى للعالي.. بينما نحن من العالي للسافل، أو قد يكون من السافل للأسفل.
فإذن، حالة الثبات من الصعب أن نحصل عليها.. وهناك اصطلاحان مرتبطان بهذا الأمر، هما: الحال: وهي الحالات التذبذبية.. والمقام: وهي الحالات الثابتة..
ولكن كيف نجعل لأنفسنا حدا أدنى للتسافل أو التنزل، وهو عدم الغفلة الشديدة؟.. مثلا: المؤمن لو تكلم كلاما لا يعنيه، فهو تنزل.. أما عندما يصل إلى مستوى أنه يلازم القهقهة، أو الأكل بنهم وشهوة، أو التوغل في الشهوات المختلفة؛ فإنه جاوز الحد في التنزل، وهنا نذير خطر!..
للتقريب نذكر هذا المثال:
هناك نوع من الطيور تهبط من الجو، وتغوص في البحر، لتلتقط الأسماك، وفي الأثناء قد تكون صيدا للأسماك المفترسة.. هذه الطيور كانت قبل أن تهبط، تحلق في أعالي الجو في أمان، ولكنها لما تنزلت إلى درجة الغوص كان مصيرها الهلاك.. وكذلك المؤمن، عليه أن يحاول قدر الإمكان أن يرفرف في أجواء عليا.. لأنه بمجرد أن يتنزل إلى بحر الدنيا إلى درجة التوغل، فإن مصيره الهلاك، في بطون الشياطين المفترسة!.
كما قلنا من الصعب أو شبه المستحيل، أن يصل الإنسان إلى حالة لا يكون فيها تذبذب، ولكن ليحاول أن يجعل له حدا أدنى، أن يكون التذبذب تذبذبا بسيطا، لا تذبذبا بمدى شاسع كبير جدا..
ونعتقد أن الصلاة الموزعة في أوقاتها الثلاث أو الخمس، تعيد التوازن.. فالإنسان يتسافل عصرا، فصلاة المغرب ترفع من مستواه.. ويستافل ليلا، فصلاة الفجر ترفع من مستواه.. ويستافل نهار، فصلاة الظهرين ترفع من مستواه.. فالذي يحافظ على صلاته اليومية في أول الوقت، من الممكن أن يقلص هذه الحالة التذبذبية إن شاء الله تعالى.
س2/ من الأمور الضرورية التي يؤكد عليها، تحقيق حالة المعية الإلهية.. فما هو المقصود من المعية الإلهية؟..
المعية لغة: أي المصاحبة.. المعية من جهة الله تعالى للعبد مؤكدة، كما نفهم من قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}.. هو معنا تكوينا وإشرافا ورعاية، والمطلوب أن نبادله هذه المعية.
إن البعض يرى أن المعية الإلهية -معية العبد لربه-، أمر تكاملي استحبابي تشرفي تفضلي.. والحال بأن هذا مقتضى الأدب!.. وإلا كيف أن رب العالمين يلتفت إلى العبد، والعبد لا يتلفت إليه!.. هو معه، وهو لا يلتفت إلى هذه المعية!..
ولهذا بعض الأولياء والصالحين -وهم النادرون في كل العصور- يصل إلى درجة من الشفافية الروحية، أنه عندما نيام يستحي من ربه، مع أنه بحاجة إلى النوم، وينام متوضأ متطهرا.. لكن لأنه يتذكر أن الرب لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو ينام عنه.. -ولهذا فالمؤمن المثالي يحاول أن يقلص ساعات النوم، إلى أقل حد ممكن؛ لأن النوم انقطاع عن الله تعالى، رب العالمين عينه لا تنام وهو ينام- وعندما يستيقظ من النوم، يقوم ببعض الأدعية: (الحمد لله الذي رد علي روحي لأحمده وأعبده)، وكأنه يريد أن يعتذر عمليا مع رب العالمين، عن انشغاله عنه في هذه الفترة.
وتحصيل المعية يكون من خلال المراقبة المستمرة، بنوعيها: مراقبة نفسه: أي في سلوكه.. ومراقبة ربه: بمعنى أن يستشعر نظرة الله تعالى إليه، ويعيش محضرية الرب ونظره إليه.
ولهذا فإن الذي تشتد عنده حالة المعية الإلهية، لا يمكنه أن يعصي.. نزع الثياب أمر ممكن، وطبيعي للإنسان في حياته اليومية.. ولكنه في السوق يستحيل أن ينزع ثيابه؛ لأنه يعيش معية الخلق، وملتفت أن الناس ينظرون إليه، ويلتفتون إليه..
إن الإنسان المؤمن قد يصل في استشعاره للمعية الإلهية هكذا، يستحيل أن يعصي الله تعالى.. التقوى لباس المؤمن: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ}، والمعصية من مصاديق التخلي والتعري عن اللباس، والقرآن يشير إلى هذه الحقيقة، في قصة أبينا آدم (ع)، قال تعالى: {فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ}.
فعليه، هذه المعية الإلهية ليست قضية نفسية فحسب، وإنما مسألة دخيلة في حياتنا اليومية.
.............................
الوصايا الأربعون - قناة المعارف - الشيخ حبيب الكاظمي