قصة العابد الصالح التقي السيد محمد العاملي - رحمه الله - ابن السيد عباس - سلّمه الله - آل العباس شرف الدين ، الساكن في قرية جبشيث من قرى جبل عامل ، وكان من قصته أنه رحمه الله لكثرة تعدّي الجور عليه ، خرج من وطنه خائفاً هارباً ، مع شدة فقره وقلة بضاعته ، حتى أنه لم يكن عنده يوم خروجه إلا مقداراً لا يسوى قوت يومه ، وكان متعفّفاً لا يسأل أحداً .
وساح في الأرض برهةً من دهره ، ورأى في أيام سياحته في نومه ويقظته عجائب كثيرة ، إلى أن انتهى أمره إلى مجاورة النجف الأشرف على - مشرّفها آلاف التحية والتحف - وسكن في بعض الحجرات الفوقانية من الصحن المقدس ، وكان في شدة الفقر ، ولم يكن يعرفه بتلك الصفة إلا قليلٌ ....
وكان أحيانا يراودني ، وكان كثير العفة والحياء ، يحضر عندي أيام إقامة التعزية ، وربما استعار مني بعض كتب الأدعية لشدة ضيق معاشه ، حتى أنّ كثيراً ما لا يتمكن لقوته إلا على تميرات ، يواظب الأدعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئاً من الأذكار المروية والأدعية المأثورة .
واشتغل بعض أيامه على عرض حاجته على صاحب الزمان - عليه سلام الله الملك المنان - أربعين يوماً وكان يكتب حاجته ، ويخرج كلّ يومٍ قبل طلوع الشمس من البلد من الباب الصغير الذي يخرج منه إلى البحر ، ويبعد عن طرف اليمين مقدار فرسخ أو أزيد ، بحيث لا يراه أحدٌ ، ثم يضع عريضته في بندقة من الطين ويودعها أحد نوّابه - سلام الله عليه - ويرميها في الماء إلى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً .
فلما فعل ما يفعله كل يوم ورجع ، قال : كنت في غاية الملالة وضيق الخلق ، وأمشي مطرقاً رأسي ، فالتفتُ فإذا أنا برجلٍ كأنه لحق بي من ورائي - وكان في زي العرب - فسلّم عليّ فرددتُ عليه السلام بأقلّ ما يُردّ ، وما التفتُ إليه لضيق خلقي ، فسايرني مقداراً وأنا على حالي ، فقال بلهجة أهل قريتي :
سيد محمد !.. ما حاجتك ؟.. يمضي عليك ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً تخرج قبل طلوع الشمس إلى المكان الفلاني ، وترمي العريضة في الماء تظن أن إمامك ليس مطّلعاً على حاجتك ؟..
قال : فتعجبتُ من ذلك لأني لم أُطلع أحداً على شغلي ، ولا أحدٌ رآني ، ولا أحدٌ من أهل جبل عامل في المشهد الشريف لم أعرفه ، خصوصاً أنه لابس الكفّية والعقال وليس مرسوماً في بلادنا .
فخطر في خاطري وصولي إلى المطلب الأقصى ، وفوزي بالنعمة العظمى ، وأنه الحجّة على البرايا ، إمام العصر - عجّل الله تعالى فرجه - وكنت سمعتُ قديماً أنّ يده المباركة في النعومة بحيث لا يبلغها يد أحدٍ من الناس ، فقلت في نفسي :
أصافحه ، فإن كان يده كما سمعت أصنع ما يحقّ بحضرته ، فمددتُ يدي وأنا على حالي لمصافحته ، فمدّ يده المباركة فصافحته ، فإذا يده كما سمعت ، فتيقّنت الفوز والفلاح ، فرفعتُ رأسي ، ووجّهتُ له وجهي ، وأردتُ تقبيل يده المباركة ، فلم أر أحداً
.