تفصيل وقائع عاشوراء التي كانت عشقاً محضاً
لقد كان وضع سماحة الحدّاد متغيّراً ومتقلّباً طوال الايّام العشرة للعزاء، وكان وجهه يحمرّ وعيناه تتلالآن وتنيران؛ لكنّ حال الحزن والغمّ لم تكن لتبدو عليه، بل كان الابتهاج والسرور يملا كيانه. وكان يقول: كم أنّ هؤلاء الناس غافلون حين يحزنون ويقيمون المأتم والعزاء لهذا الشهيد القتيل! إنّ مسرح عاشوراء من أبدع مناظر العشـق، ومن أروع مواطن الجمال والجلال الإلهيّ، وأحسـن مظاهر أسـماء الرحمة والغضـب؛ ولم يكن ليمثّل لاهل البيت عليهم السلام إلاّ العبور من الدرجات والمراتب، والوصول إلي أعلي ذروة الحياة الخالدة والانسلاخ عن المظاهر والتحقّق بأصل الظاهر، والفناء المطلق في الذات الاحديّة.
ولقد كان في الحقيقة يوم سرور أهل البيت وبهجتهم، لا نّه يوم الظفر ونيل المني والفوز بورود حريم الله وحرم أمنه وأمانه، يوم تخطّي الجزئيّة والدخول إلي عالم الكلّيّة، يوم النصر والنجاح وبلوغ المنشود الغائيّ والهدف الاصليّ، يومٌ لو كشف عن جزء منه للسالكين والعاشقين والولهين في طريق الله، لجعلهم إلي آخر العمر مدهوشين من فرط السرور، ولخرّوا ساجدين إلي يوم القيامة شكراً للّه.
كان سماحة السيّد الحدّاد يقول: إنّ الناس غافلون، أصمّت محبّة الدنيا آذانهم وأعمت أعينهم، بحيث صاروا يتأسّفون لذلك اليوم ويئنّون أنين الثكلي! فهم لا يعلمون أ نّها بأجمعها فوز ونجاح ومعاملة رابحة لابتياع الاشياء النفيسة والجواهر الثمينة مقابل إعطاء الخزف والقشور؛ وأنّ ذلك القتل لم يكن موتاً بل كان عين الحياة، ولم يكن انقطاعاً وانصراماً للعمر بل حياة الخلود السرمديآ.
كتاب الروح المجرد