الورقة الاولى/ بقلم فضيلة المحروس/ 9 نوفمبر 2013
زينب عليها السلام وحوادث واقعة الطف
زينب عليها السلام في كربلاء
استجابت عقيلة بني هاشم السيدة زينب عليها السلام بكل فخر ورضا لنداء قافلة أخيها الحسين عليه السلام التي انطلقت في الثامن والعشرين من شهر رجب من المدينة المنورة حتى وصلت إلى كربلاء المقدسة في اليوم الثاني من شهر محرم سنة 61 للهجرة. وكانت السيدة زينب عليها السلام هي اُولى الملتحقات من نساء بني هاشم بقوة وعزيمة وشجاعة.
السيدة زينب عليها السلام ستتحمل أعباء أعظم مسؤولية مع أخيها وإمامها وحجة زمانها الحسين عليه السلام رغم علمها المطلق بجميع المتاعب والمصاعب والويلات الجسيمة التي ستتوالى عليها فيما بعد واقعة عدّها المطلعون على أسرارها إنها أكبر فاجعة عرفتها البشرية على مدى التأريخ.
ويذكر انها (جاءت مسرعة إلى ابن عمها عبد الله بن جعفر، وهي باكية تقول له: (يا ابن العم هذا الإمام الحسين عليه السلام أخي وشقيقي قد عزم على المسير إلى العراق، وأنت تعلم علاقتي به، ومحبتي له، وعدم صبري على فراقه، وحيث ان النساء لا يجوز لهن السفر ولا الخروج من البيت إلا برضى أزواجهن، جئت إليك اطلب منك الإذن في السفر مع أخي الإمام الحسين عليه السلام، فان لم تأذن لي بذلك امتثلت أمرك وانتهيت بنهيك ولم اذهب معه، ولكن كن على علم بأني لو لم اذهب معه لما بقيت بعده في الحياة إلا قليلا.
وما أنْ تم كلام السيدة زينب عليها السلام وانتهى استئذانها حتى سالت دموع ابن عمها عبد الله على خديه، وأجهش لها بالبكاء حيث إنه لم يعُد يتمالك نفسه لما رأى السيدة زينب عليها السلام قلقة ووجلة ومضطربة هذا الإضطراب الشديد بحيث لو واجهها بكلمة: لا لفارقت الحياة من شدّة الصدمة وماتت من حينها، ولذلك، ولما ورد: من أن أمير المؤمنين عليه السلام لما زوّج ابنته زينب عليها السلام من ابن أخيه عبد الله بن جعفر إشترط عليه في ضمن العقد أن لا يمنعها متى أرادت السفر مع أخيها الحسين عليه السلام، قال لها: (يا بنت المرتضى، ويا عقيلة بني هاشم، نهنهي عن نفسك، وهوني عليك، فإني لا أجهل علاقتك ولا أنسى مواقفك فافعلي كيف شئت، وحسبما تحبّين، فإني عند رأيك، وأمر ابنيه عونا و محمدا بالمسير مع الحسين عليه السلام ، والملازمة في خدمته، والجهاد دونه) .
مضت على الإمام الحسين عليه السلام مدة أربعة أشهر وعشرة أيام في مكة المكرمة؛ حتى قرر مغادرتها في صبيحة الثامن من شهر ذي الحجة سنة 60 للهجرة في يوم التروية متوجهاً مع الصفوة من أهله وانصاره إلى كربلاء المقدسة بعد ما تربصت له جلاوزة واوباش بني أمية بكل عتادها الأمني وتتبعت حركاته خطوة بخطوة في داخل الحرم المكي وفي ازقات مكة المكرمة وشوارعها حتى أوجس الأمويون منه هلعاً وخيفة مما جعل يزيد لعنه الله يتخذ قراراً بإغتيال الإمام الحسين عليه السلام حتى ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
ولتفادي أي عارض يمس حرمة وقدسية بيت الله الحرام؛ قرر الإمام الحسين عليه السلام حينها مغادرة مكة المكرمة والذهاب إلى كربلاء المقدسة وفق ما قُدر له، وخرج مسرعاً مجداً في المسير إلى كربلاء لا يلوي على شيء معلناً جاهراً جهاده وتبليغه المقدس تلبيةً لنداء السماء وتنفيذاً لمسيرة عاشوراء المقدسة.
وفي هذه الفترة الخطيرة التزمت أخته السيدة زينب عليها السلام جواره تشاطره أعباء وهموم مسؤولية التغيير والإصلاح في الأمة.
وبدأت ساعات الإمتحان وساعة غربلة النفوس فالتحق بالإمام من التحق من أصحابه الخلص الأبرار وتخلف عن نصرته أخرون بحجة النصح والشفقة وربما لحاجات في نفس يعقوب ناشدوه بعدم المسير إلى العراق وعدم صحبة الأطفال والنساء معه. فقد ضعفوا في مواجهة أهواء النفس اللوامة ومغريات الشيطان ليس كغيرهم ممن بلغوا الفتح والنصر مع الإمام الحسين عليه السلام .
وكادت (... كلمتهم تتّفقُ على السبب بحجة أنَ أهل العراق أهل غدرٍ وخيانة، وأنّهم قتلوا أباه وطعنوا أخاه.. ومن الغريب أنْ نجدَ في الناصحين: القريب والغريب، والشيخ والشابّ، والرجل والمرأة، ثمّ نجدُ الصحابيّ، والتابعيّ، والصديق، والعدوّ) .
وذكر ابن عساكر في كتابه تأريخ دمشق أسماء الأشخاص الذين تقدّموا آنذاك لنصح الإمام الحسين عليه السلام وما دار بينهما من مساءلات وحوارات حول موضوع الخروج، فكان فيهم الهاشمي وغير الهاشمي وأيضاً فيهم المخالف والمعاند لنهضة الإمام الحسين عليه السلام.
فعبدالله بن عباس؛ ابن عم رسول الله وابن عم الحسين عليه السلام الذي أطلق عليه أبناء العامة بحبر الأمة والذي بالغ الإعلام الأموي والعباسي في تحسين وتلميع شخصيته بعدة صور بقيت له محفوظة في تأريخه، أخفق في إقناع الإمام الحسين عليه السلام بالعدول عن الخروج حتى قال ناصحاً (إن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فإني لخائف أنْ تُقتل كما قُتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون اليه) .
في حين ذكرت السيرة ان وهب المسيحي وعائلته الكريمة كانوا ينتظرون بكل شغف اليوم الموعود الذي ينصروا فيه ابن سبط النبي الذي سمعوا وقرأوا عنه في كتبهم المقدسة بأنه سيقتل في هذا اليوم وفي هذا المكان.
وأما عبدالله بن الزبير الذي اشتد عليه الأمر كثيراً عند وصول الإمام الحسين إلى مكة المكرمة الذي كان طامعاً فيها، كان أمامه أمرين لا ثالث لهما إما أن يشترك في إقناع الإمام الحسين عليه السلام بالخروج من مكة المكرمة فتصفى له أو يبقى في مكة ويشترك مع جماعة عمر بن سعيد الأشدق على قتل الإمام الحسين عليه السلام
ويقال ان ابن الزبير لم يتأسف على خروج الإمام الحسين عليه السلام من مكة بل فرح فرحاً شديداً خاصة بعد ان أعطاه يزيد لعنه الله الضوء الأخضر بإغتياله حتى ولو كان مستلماً لأستار الكعبة.
و قال له ابن عباس: (يالك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري وانقري ما شئت أن تنقري. هذا حسين يخرج إلى العراق، وعليك بالحجاز) أي بمعنى سيخلو لك الجو بخروجي.
وتساءل محمد بن الحنفية أخ الإمام الحسين عليه السلام عن سبب خروج الحسين عليه السلام فقال له الإمام: (أتاني رسول الله وقال لي: يا حسين أخرج فإن الله شاء أن يراك قتيلاً)
ثم تساءل محمد بن الحنفية: فما معنى حمل هؤلاء النسوة والأطفال وأنت خارج على مثل هذا الحال؟
وكان جواب الإمام عليه السلام: قد شاء الله أن يراهن سبايا .
وربما كان محمد بن الحنفية أكثر تيقناً من غيره بخروج الإمام عليه السلام إلى كربلاء المقدسة وبالخصوص حينما قال له أما بعد: فإن من لحق بى استشهد ومن تخلف لم يدرك الفتح والسلام .
وفي ذلك رفع الإمام عليه السلام دهشة ابن عباس من خروجه بالعائلة والأطفال حينما قال: يا ابن العمّ، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله في منامي وقد أمر بأمر لا أقدر على خلافه، وإنه أمرني بأخذهم معي، فقال: يا بن العم إنهنّ ودائع رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا آمن عليهن أحداً، وهن ايضاً لا يفارقني
ومما يثير الإستغراب والدهشة هو مع علم عبدالله بن جعفر بمكانة الإمام الحسين عليه السلام عند الله وإنه الإمام المعصوم المفترض الطاعة وإنه سفير الله على الأرض الذي يعلم الغيب ولا يجوز لأحد أن يتقدم عليه في أي أمر كان، إلا أنه يرسل رسالة بيد ابنيه محمد وعون ينصح فيها الإمام بعدم الخروج إلى العراق وجاء في رسالته: (أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا، فإني مشفق عليك من هذا التوجُّه الذي توجَّهت له، أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفىء نور الأرض، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، ولا تعجل بالسير فإني في أثر كتابي والسلام) .
وأمام كل هذا لم تقبل عقيلة بني هاشم زينب صلوات الله عليها بهذه الضجة والضوضاء التي اثيرت حول خروج أخيها بصحبتها والعائلة والأطفال.
وروي (إن السيدة زينب اعترضت على نصيحة ابن عباس للإمام بأن لا يحمل معه النساء: فسمع ابن عباس بكاء من ورائه وقائلة تقول: (يا بن عباس، تشير على شيخنا وسيّدنا أن يخلفنا هاهنا ويمضي وحده، لا والله بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره.. وأجهش ابن عباس في البكاء وجعل يقول: يعزّ والله عليَّ فراقك يا بن العمّ) .
كما أجاب الإمام الحسين عليه السلام على تساؤلات من نصحه بإعادة النظر في الخروج إلى كربلاء المقدسة، ورفضها جميعها، كما (رفض الأمان الّذي حصل عليه عبد الله بن جعفر الطيار من عمرو بن سعيد بن العاص عامل يزيد على مكّة، وصارحه بأنّ سرّاً كبيراً وغاية عظيمة يستبطنها الموقفُ، وليسَ بوسعه أنْ يبوحَ به لقد خاطب عبدالله بن جعفر بقوله
إنِّي رأيتُ رؤيا، رأيت فيها رسول الله، واُمِرْتُ فيها بأمر أنا ماض له، عليَّ كان أو لي، فقال: فما تلك الرّؤيا؟ قال: ما حدّثتُ أحداً بها، وما أنا محدِّثٌ بها حتّى أَلقى ربِّي).
ربما المتحصل إن كتب السيرة والتأريخ لم تنقل بشكلٍ تفصيلي عن اسباب امتناع هؤلاء الأصحاب وبالذات الهاشمين منهم عن المشاركة في كربلاء المقدسة، فلا يزال هذا الأمر بحاجة إلى مزيد من البحث والتدقيق العلمي .
تنوية: ممكن نقل هذه المادة الى جميع الجهات الإلكترونية وبدون تغير .